فهم ما يقوله علم النفس عن الدافع الجنسي؟

الجنس بين الدافع والحسّ: لماذا يسيء الناس فهم ما يقوله علم النفس عن الرغبة الجنسية؟ فهم اللبس بين “الجنس كدافع” و”الجنس كإحساس وممارسة”

كثيراً ما يشعر الناس بنوع من النفور أو الاستغراب حين يسمعون أن علم النفس يتحدث عن “الجنس” بوصفه دافعاً مركزياً في النفس البشرية، أو عن “الرغبة الجنسية اللاواعية” الكامنة خلف تصرفاتهم وخياراتهم. الإنسان العادي يقول ببساطة: “أنا لا أشعر بأي رغبة جنسية تجاه هذا الشخص” أو “الجنس ليس شيئاً مهيمناً في حياتي”، بينما الخطاب التحليلي التقليدي يوحي أحياناً وكأن كل سلوك له جذور جنسية خفية. هنا ينشأ لبس جوهري: الناس يتحدثون عن الإحساس المباشر بالرغبة، وعلم النفس – خاصةً في نسخته التحليلية – يتحدث عن “الدافع” كقوة منظمة للنفس، قد تكون بعيدة تماماً عن نطاق الوعي.

جزء كبير من هذا الخلط يأتي من ثلاث أمور:

  • الخلط بين “الدافع الجنسي” كقوة نفسية عامة وبين “الممارسة الجنسية” كسلوك ملموس.
  • الخلط بين “الرغبة الواعية” التي نشعر بها الآن، وبين “الميول” أو “الاستثمارات العاطفية والخيالية” التي قد تكون لاواعية.
  • الخلط بين التصور الفرويدي الكلاسيكي للجنسية وبين مدارس أخرى (يونغ، التعلق، المعرفية السلوكية) ترى الجنس ضمن شبكة أوسع من العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية.

سنحاول تفكيك هذا اللبس: ماذا يقصد علم النفس حين يتحدث عن الجنس كدافع؟ ولماذا قد يقول المحلّل أو المنظّر بوجود “رغبة لاواعية” بينما الشخص نفسه لا يحسّ بشيء على الإطلاق؟ وكيف تختلف المدارس النفسية في فهم هذا التوتر بين ما نعرفه عن أنفسنا وما يتحرك في أعماقنا؟

الرغبة الجنسية بين الوعي واللاوعي

الإنسان العادي حين يصرّح: “لا توجد لدي رغبة جنسية تجاه فلان” فهو يتحدث من موقع الوعي، أي من خبرته الذاتية الحالية لما يشعر به في هذه اللحظة. الوعي هنا يشبه شاشة صغيرة تُعرض عليها ما يسمح به الجهاز النفسي أن يظهر: انطباعات، أفكار، مشاعر مصرح بها. ما لا يمر عبر هذه الشاشة، لا يشعر به الشخص ولا يعتبره “حقيقياً” في تجربته.

التحليل النفسي الكلاسيكي يضيف طبقة أخرى: تحت هذه الشاشة توجد “أرضية” واسعة من الذكريات والرغبات والخيالات والمخاوف لا يسمح الأنا بظهورها بسهولة، لأنها قد تكون مزعجة أو مهددة لصورة الذات أو مخالفة للعرف والقيم. هنا بالضبط يوضع مفهوم “الرغبة الجنسية اللاواعية”: الرغبة موجودة ضمن تنظيم أعمق لحياة الشخص النفسية (في أحلامه، في اختياراته غير المفهومة، في انجذابات غير معترف بها)، لكنها لا تحضر في الوعي بشكل صريح.

هذا يؤدي إلى مفارقة مزعجة: اللسان يقول “لا رغبة”، بينما التصور التحليلي يلمّح إلى أن “غياب الإحساس لا يعني بالضرورة غياب الدافع”. هذه المفارقة هي ما يولّد الشعور بأن التحليل النفسي “يتهم” الناس بأشياء لا يحسّونها، أو أنه يقرأ الجنس في كل شيء بشكل مبالغ فيه.

المدرسة التحليلية الفرويدية: من الدافع إلى الكبت

الجنس كدافع منظم لا كإحساس عابر

في الرؤية الفرويدية المبكرة، “الليبيدو” هو الطاقة الجنسية التي تحرّك النفس، ليس فقط في الممارسة الجنسية، بل في الحب، التعلّق، الإبداع، وحتى في بعض الأعراض العصابية. الجنس هنا ليس مجرّد إحساس وقتي بالرغبة، بل هو “محرّك” طويل الأمد يتخذ أشكالاً متنوعة. لذلك، قد يُقال إن شخصاً يوجّه ليبيدوه نحو العمل أو الكتابة أو الفن، رغم أنه لا يعيش حياة جنسية نشطة. من هنا يأتي الالتباس: الناس يربطون الجنس بالممارسة، بينما التحليل يربطه بتيار عميق من الطاقة النفسية.

الكبت: كيف تختفي الرغبة عن الوعي؟

يرى فرويد أن الجهاز النفسي لا يحتمل بسهولة كل الدوافع التي تنشأ في “الهو”، خاصةً ما يتعارض مع صورة الشخص عن نفسه أو مع أخلاقيات مجتمعه. هنا يتدخل “الأنا الأعلى” (الضمير) ويضغط على الأنا لكي يَكبِت هذه الرغبات. الكبت لا يعني اختفاء المحتوى، بل إخراجه من حقل الوعي وإبقاؤه نشطاً في منطقة اللاوعي.

من هذه الزاوية، حين يقول الشخص “أنا لا أشعر بأي رغبة تجاه فلان” قد يجيب التحليل النفسي: “ربما لا تشعر، لأن جهازك النفسي تعلّم أن لا يسمح بهذا الشعور، فتمّ دفنه مبكراً”. المهم هنا أن التحليل لا يقول إن كل إنكار يعني بالضرورة وجود رغبة مكبوتة، لكنه يفتح احتمال أن غياب الشعور ليس دليلاً قاطعاً على عدم وجود دافع في العمق.

الإزاحة والتسامي: حين يتخفّى الدافع

حتى عندما تُكبَت الرغبة الجنسية، طاقتها لا تضيع. يمكن أن تتحول إلى:

  • إزاحة: توجيه الشحنة نحو موضوع آخر أقل خطورة (غضب مبالغ فيه على شخص، غيرة مفرطة، تحقير أو مثالية مفرطة…).
  • تسامي: تحويل الطاقة الجنسية إلى إبداع فني، بحث علمي، نشاط اجتماعي، إلخ.

هذا الفهم يعني أن “غياب الممارسة الجنسية” أو “غياب الإحساس الظاهر بالرغبة” لا يعني أن الطاقة الجنسية غير فعّالة في حياة الشخص، بل قد تكون حاضرة على مستوى آخر، في شكل التزام فكري، أو تعلق مثالي، أو حتى في أعراض نفسية.

يونغ: من الليبيدو الجنسي إلى طاقة الحياة

توسعة مفهوم الليبيدو

في حين ركّز فرويد على الجنسية كمحور، ذهب يونغ إلى توسيع صورة الليبيدو ليصبح “طاقة نفسية عامة” لا تختزل في الجنس وحده. من وجهة نظره، ما يبدو “رغبة جنسية” قد يكون في العمق تجلياً لحاجة أوسع للمعنى، للتماهي، للاتحاد مع صورة رمزية (أنيموس/أنيمـا)، أو لتحقيق إمكانات الذات.

هنا يتعمّق اللبس أكثر: شخص يقول “أنا لا أرغب في هذا الإنسان جسدياً”، بينما تحليلاً يونغياً قد يقال: “صحيح، لكنك منشغل به في خيالك، في أحلامك، في صراعاتك، كرمز لشيء فيك”. إذن، ما يبدو “لا رغبة جنسية” قد يخفي نوعاً آخر من الاستثمار النفسي، ليس جنسياً بالمعنى الضيق، لكنه متصل بطبقة أعمق من الرغبة في الاتحاد أو الانفصال أو تحقيق الذات.

الرموز والمعقدات

عند يونغ، اللاوعي الشخصي والجماعي مليء بالصور والنماذج الأصلية. قد لا يشعر الفرد برغبة حسية تجاه شخص معيّن، لكنه يجد نفسه منجذباً أو منفّراً منه بشكل غير مفهوم. هذا الانجذاب يمكن أن يُقرأ بوصفه تفعيل “معقّد” إيروتيكي أو أمومي أو أبوي. هنا أيضاً، ما يهم ليس اعتراف الشخص الواعي، بل البصمة الانفعالية التي يتركها هذا الشخص في حياته النفسية.

إذاً، أوروبا التحليل النفسي (فرويد/يونغ) تشترك في شيء واحد: الوعي ليس الحكم الأخير على وجود الرغبة أو غيابها. ما تشعر به الآن جزء فقط من الصورة.

نظرية التعلق: الجنس كاستمرار لطريقة الارتباط

من حضن الأم إلى سرير الشريك

نظرية التعلق تربط بين أنماط ارتباط الطفل بمقدّم الرعاية وبين شكل علاقاته العاطفية والحميمة لاحقاً. هنا لا يُنظر للجنس فقط كمتعة جسدية، بل كامتداد لأسلوب الشخص في الاقتراب من الآخر أو الهروب منه.

  • المرتبط بأمان يميل إلى رؤية الجنس ضمن علاقة حميمية مريحة، حيث الرغبة تتفتح مع الأمان والثقة.
  • المرتبط بقلق قد يستخدم الجنس كوسيلة للتماسك مع الآخر، فيبحث بقلق عن التأكيد والقبول من خلال الجسد.
  • المرتبط بتجنّب يميل إلى التقليل من أهمية الجنس في علاقة طويلة الأمد، وقد يبتعد عن الحميمية الجسدية أو يحافظ عليها منفصلة عن الارتباط العاطفي.

من هنا يمكن فهم جملة مثل “لا أرغب في هذا الشخص” أحياناً كترجمة لطريقة تعامُل الشخص مع القرب نفسه، وليس فقط مع الجنس. قد لا تكون المشكلة “غياب دافع جنسي لاواعٍ” أو “وجوده”، بل نمط شخص يعيش الحميمية كتهديد، فيُطفئ رغبته كي يحمي استقلاله أو كي لا يُستثار خوفه من الرفض أو التعلّق.

المدرسة المعرفية السلوكية: الرغبة بوصفها نتاج أفكار ومواقف

الانتباه إلى المعنى الذي يُمنَح للجنس

المدرسة المعرفية السلوكية تبتعد عن الحديث عن لاوعي عميق، وتركّز أكثر على:

  • الأفكار التلقائية حول الذات (هل أنا جذّاب؟ هل أستحق الحب؟).
  • المعتقدات الجوهرية حول الجنس (هل هو قذر؟ خطير؟ محرّم على نحو مطلق؟).
  • التوقعات (يجب أن أكون مثالياً في الأداء، لا يجوز أن أُرفض…).

من هذا المنظور، إنكار الرغبة قد يكون صادقاً، لأن الأفكار والمعتقدات المتجذرة قتلت الرغبة أو كبّلتها قبل أن تولد. ليست القضية هنا “رغبة مكبوتة في قاع اللاوعي”، بل منظومة فكرية/انفعالية تجعل الجسد لا يستجيب أو تُولد نفوراً حقيقياً.

قابلية الرغبة للتعديل

ميزة هذا المنظور أنه يرى الرغبة الجنسية مرنة إلى حدّ كبير: يمكن أن تتغير عندما تتغير تصورات الشخص عن نفسه والجنس والآخر. وهنا تظهر نقطة خلاف رئيسية مع التحليل النفسي: ليست كل “لا رغبة” علامة على رغبة مخفية، بل قد تكون إثباتاً على أن الجهاز النفسي – بأفكاره وعاداته وتنشئته – أعاد تشكيل خريطته الجنسية بالكامل.

تعدد مستويات الفهم

بين البيولوجيا والنفس والمجتمع

إذا أضيفت العوامل البيولوجية (الهرمونات، الحالة الصحية، الأدوية، التعب المزمن…) إلى كل ما سبق، يظهر أن سؤال “هل لدي رغبة أم لا؟” لا يمكن اختزاله بجواب واحد. قد يغيب الإحساس بالرغبة لأسباب جسدية بحتة، أو نفسية وعيية (اكتئاب، قلق، صدمات)، أو لاواعية (كبت، معقدات، أنماط تعلق)، أو معرفية (أفكار ومعتقدات)، أو اجتماعية/دينية (معايير صارمة، خوف من الفضيحة أو الإثم).

يكمن اللبس الأساسي في توقع الناس أن كل حديث عن “الدافع الجنسي” يجب أن يطابق تماماً شعورهم الواعي الآني. في حين أن معظم المدارس النفسية الجادة تتعامل مع “الدافع” كمفهوم أوسع من اللحظة الشعورية: هو مسار طويل، تشكله الوراثة، والجسد، والتجارب المبكرة، والثقافة، وطريقة التفكير، والصدمات، والاختيارات.

هل التحليل النفسي يبالغ في الجنس؟

نعم، من منظور كثير من النقاد، الخطاب الفرويدي الكلاسيكي حمّل الجنس أكثر مما يحتمل، وقرأه في أماكن متعددة ربما كان يمكن تفسيرها بعوامل أخرى. لكن، حتى هذا “الإفراط” كان له وظيفة تاريخية: نقل الجنس من خانة المسكوت عنه إلى خانة الموضوع العلمي، وكشف أن ما ننكره أو نخجل منه قد يستمر في التأثير علينا من وراء ظهرنا. مع المدارس اللاحقة، أصبح من الممكن الاحتفاظ بحدس فرويد حول “ما لا نعرفه عن أنفسنا” مع تصحيح مبالغته الجنسية، ووضع الدافع الجنسي ضمن شبكة أوسع من الدوافع (الحاجة للأمان، للمعنى، للسيطرة، للانتماء…).

كيف نقرأ أنفسنا فيل هذا الإطار؟

الواقع أن الإنسان ليس مرآة شفافة لنفسه. ما نشعر به صادق، لكنه ليس بالضرورة كامل. وعلم النفس – بمدارسه المختلفة – لا يهدف إلى تكذيب الإحساس الشخصي، بل إلى القول إن وراء هذا الإحساس قصة أطول: قصة لاوعي يتحرك، وجسد يتفاعل، ومجتمع يضغط، وتاريخ عاطفي طويل يترك بصمته على كل علاقة وكل انجذاب أو نفور.

فهم اللبس بين “الجنس كدافع” و”الجنس كإحساس وممارسة” يساعد على خطاب أكثر هدوءاً ونضجاً: يمكن للإنسان أن يحترم تجربته الذاتية الحالية، وفي الوقت نفسه يظل منفتحاً على فكرة أن ما لا يشعر به اليوم قد يتبدل غداً، أو أن ما ينفيه تماماً قد يكون له صدى خافت في لاوعيه، أو العكس تماماً: أن انعدامه حقيقي وينبغي البحث عن أسبابه في الجسد وفي الأفكار وفي التاريخ الشخصي، لا في فرضية واحدة جاهزة.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo