التحويل والحب عند لاكان – الدكتورة جينا

الحب كمسألة لاكانية وإكلينيكية: من العاطفة إلى بنية الرغبة

يُعد الحب، في فكر المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، مفهوماً مركزياً ومُربكاً في آن واحد، بعيداً كل البعد عن التصورات الرومانسية الشائعة التي تختزله في مشاعر الوجد والانسجام. فالحب عند لاكان ليس حالة نفسية بسيطة، بل هو بنية معقدة تتشابك فيها الرغبة والنقص والأبعاد الثلاثة للوجود الإنساني: الخيالي والرمزي والواقعي.ويجد هذا المفهوم ذروة تجلّيه وأهميته الإكلينيكية في ظاهرة “التحويل”، التي خصص لها لاكان أحد أبرز سيميناراته، وهو السيمينار الثامن “التحويل” (1960-1961). ففي فضاء التحليل النفسي، لا يعود الحب مجرد عاطفة شخصية، بل يصبح المحرك الأساسي للعلاج، والمسرح الذي تتكشف فيه حقيقة الذات ورغبتها المستحيلة. إن مقولة لاكان الشهيرة “أن تحب هو أن تعطي ما لا تملك“، ليست مجرد صيغة شعرية، بل هي جوهر نظريته في الحب، التي تربطه جذرياً بالنقص، وتجعله فعلاً يتجاوز الامتلاك والوجود المادي، ليلامس صميم الكينونة المنقسمة للذات.

“أن تحب هو أن تعطي ما لا تملك إلى من لا يريده.”

Aimer, c’est donner quelque chose qu’on n’a pas à quelqu’un qui n’en veut

Jaques Lacan

أسطورة إيروس: الحب مولود النقص (بوروس/بينيا)

لفهم طبيعة الحب عند لاكان، لا بد من العودة إلى الأسطورة التي يستدعيها من “مأدبة” أفلاطون، وهي أسطورة ولادة “إيروس” (الحب) من أبوين متناقضين: “بوروس” (الحيلة والوفرة) و”بينيا” (الفقر والعوز). ففي يوم ميلاد أفروديت، إلهة الجمال، تسللت “بينيا” الفقيرة إلى الحفل، وعندما وجدت “بوروس” ثملاً نائماً، استغلت الفرصة وحملت منه. من هذا الاتحاد غير المتكافئ، وُلد الحب، حاملاً في طياته طبيعة والديه المزدوجة: فهو دائم البحث والسعي مثل أمه الفقيرة، لكنه في الوقت ذاته يمتلك الحيلة والجرأة مثل أبيه. ما يثير اهتمام لاكان في هذه الأسطورة هو أن “بينيا”، التي تمثل النقص الجذري (aporía)، هي التي تبادر بالفعل، وهي التي تمنح ما لا تملكه – أي نقصها التكويني – لتُنجب الحب. من هنا، ينشأ الحب من رحم النقص، ولا يمكن أن يوجد إلا في فضاء هذا النقص. فالحب ليس عطاءً من فيض الوفرة، بل هو عطاء من صميم الفقد. أن تحب يعني أن تعترف بنقصك، وأن تقدم هذا النقص ذاته كهدية للآخر. وهذا ما يعنيه لاكان بقوله إن الحب لا يمكن أن ينبع إلا من موقع “اللا امتلاك”، حتى لو كان المرء يمتلك كل شيء. فالحب هو فعل رمزي بامتياز، يتجاسد في تقديم “لا شيء”، هذا اللاشيء الذي هو كل شيء، لأنه يمثل حقيقة الذات كنقص ورغبة.

ترتبط هذه الفكرة ارتباطاً وثيقاً بالبعد النرجسي للحب، وهو بعد أساسي لا يمكن تجاهله. فالحب، في مستواه الأولي، هو حب نرجسي بامتياز. يعود لاكان إلى فرويد ليؤكد أن هناك نمطين من العلاقة الليبيدية: النرجسية (حب الأنا) والموضوعية (حب الآخر). ويرى لاكان أن الحب يميل بشكل كبير نحو النرجسية. ففي “مرحلة المرآة”، يختبر الطفل لأول مرة شعوراً بالوحدة والكمال من خلال صورته في المرآة، وهي صورة خيالية تشكل نواة الأنا المثالي (ideal ego). هذا الاستثمار الليبيدي في الصورة الخاصة هو أساس الحب النرجسي. فعندما نحب، فإننا في كثير من الأحيان لا نحب الآخر في ذاته، بل نحب الصورة التي يعكسها لنا عن أنفسنا، الصورة التي نرغب في أن نكونها. يصبح المحبوب مرآة نرى فيها أنانا المثالي، ونطلب منه أن يصادق على هذه الصورة، أن يمنحنا الاعتراف الذي نتوق إليه. يقول لاكان: “أنا أحبك، ولكن، لأنني أحب فيك شيئاً أكثر منك على نحو لا يمكن تفسيره – وهو الموضوع (أ) الصغير – فإنني أشوهك”. فالحب النرجسي هو حب خادع، لأنه يستخدم الآخر كدعامة للأنا، ويختزل كينونته في وظيفة مرآوية، مما يؤدي إلى علاقة من الافتتان الخيالي (verliebtheit) التي سرعان ما قد تنقلب إلى كراهية عندما تفشل هذه المرآة في أداء وظيفتها.

الحب في السجل الخيالي: الافتتان المرآوي وعدوانية الشبيه

يتجلى هذا البعد النرجسي بشكل واضح في السجل الخيالي (Imaginary). فالحب في الخيال هو علاقة ثنائية، علاقة بين الأنا وصورته، بين الذات وشبيهها (a-a’). إنه عالم من التطابق والتماثل، حيث يسعى المحب إلى إلغاء كل اختلاف وكل مسافة بينه وبين المحبوب. الحب الخيالي هو رغبة في الامتلاء، في سد النقص من خلال الاندماج مع الآخر. يستشهد لاكان بقصة ببغاء بيكاسو الذي كان يحب بيكاسو من خلال نقر ياقة سترته. فالببغاء، كما يقول لاكان، كان يحب ما هو أساسي في الإنسان، أي لباسه، صورته الخارجية. فالحب هنا موجه إلى المظهر، إلى الشبه، وهو في جوهره نرجسي. لكن هذا الحب الخيالي، على الرغم من ضرورته كنقطة انطلاق، يظل محفوفاً بالعدوانية والتنافس، لأنه قائم على علاقة مرآوية لا تحتمل وجود الآخر كآخر حقيقي ومختلف. إنه حب هش، مهدد بالانهيار في أي لحظة، لأنه لا يرتكز على أي أساس متين خارج دائرة الأنا المغلقة.

الحب في السجل الرمزي: الآخر الكبير، المسافة، والطقوس

لكي يتجاوز الحب هذا المأزق الخيالي، لا بد له من أن يمر عبر السجل الرمزي (Symbolic). فالنظام الرمزي هو نظام اللغة والقانون والعلاقات الاجتماعية، وهو الذي يكسر العلاقة الثنائية المغلقة للسجل الخيالي، ويدخل طرفاً ثالثاً هو “الآخر الكبير” (Big Other). في السجل الرمزي، يصبح الحب “عطاءً فاعلاً” (active gift)، وليس مجرد افتتان خيالي. إنه يتطلب الاعتراف بالقانون، بالمسافة، بالاختلاف. فالزواج، والوعود، والهدايا، والاحتفال بالذكريات، كلها طقوس رمزية تهدف إلى إدراج الحب في شبكة من المعاني المشتركة التي تتجاوز مجرد العلاقة المرآوية. فالحب الحقيقي، كما يقول لاكان، هو حب كائن يتجاوز ما يبدو عليه، حب يطال خصوصيته المتفردة التي لا يمكن اختزالها في صورة. ومع ذلك، فإن الحب، حتى في بعده الرمزي، ينطوي على مفارقة. فهو يتطلب “إخضاعاً حقيقياً للرمزي” (subduction of the symbolic). فالحب يخلخل النظام الرمزي القائم، ويخلق قوانينه الخاصة، ويجعل المحبين يتصرفان بطرق قد تبدو غير منطقية أو مخالفة للأعراف الاجتماعية. إنه يمثل نقطة تمرد على النظام الكوني للغة، ويفتح فجوة في نسيجه.

الحب والواقعي: مواجهة ما لا يُرمَّز (الشيء/التمتع/استحالة العلاقة)

لكن البعد الأكثر عمقاً وإشكالية في نظرية لاكان عن الحب هو علاقته بالسجل الواقعي (Real). الواقعي عند لاكان ليس هو الواقع اليومي (reality)، بل هو ما يقع خارج نطاق الخيالي والرمزي، ما يقاوم الترميز والتمثيل، ما لا يمكن قوله أو تخيله. إنه النواة الصادمة والمستحيلة للوجود، وهو مرتبط بالموت والرغبة والمواجهة (jouissance). إذا كان الحب الخيالي يبحث عن التماثل والامتلاء، والحب الرمزي يبحث عن الاعتراف والمعنى، فإن الحب الحقيقي، أو ما يسميه لاكان “الحب السامي” (sublime love)، يهدف إلى ملامسة الواقعي في الآخر. إنه حب يتجاوز الصورة والكلمة، ليواجه “الشيء” (das Ding) في الآخر، أي ذلك الجزء منه الذي لا يمكن استيعابه أو ترويضه. هذا الحب لا يسعى إلى سد النقص، بل إلى مواجهته في أقصى درجاته. إنه حب يتخلى عن موضوعه، ويرفعه إلى “كرامة الشيء”، أي إلى مستوى الواقعي. وهذا الحب، في جوهره، هو حب مأساوي، لأنه يدرك استحالة العلاقة الجنسية، أي استحالة وجود علاقة متناغمة وكاملة بين الجنسين. فالحب الحقيقي هو ما يأتي ليحل محل هذه العلاقة المستحيلة، كبديل ومحاولة يائسة للمس الواقعي.

الحب في التحويل: افتراض المعرفة وموقع الموضوع (a)

هنا نصل إلى قلب المسألة: الحب في التحويل. يعتبر لاكان أن التحليل النفسي هو المكان الذي يمكن أن يظهر فيه هذا الحب الحقيقي، هذا “الحب اللامحدود” الذي يقع خارج حدود القانون. فالتحويل هو تفعيل لواقع اللاوعي، وهو في جوهره علاقة حب موجهة إلى المحلل. فالمحلَّل (analysand) يفترض في المحلل أنه “الذات المفترض فيها المعرفة” (subject supposed to know)، أي أنه الشخص الذي يمتلك حقيقة رغبته ومعاناته. هذا الافتراض هو ما يطلق شرارة الحب التحويلي. لكن هذا الحب ليس حباً عادياً، إنه حب مصطنع، لكنه مصنوع من نفس مادة الحب الحقيقي. إنه حب لا يطلب الإشباع، بل يطلب المعرفة والحقيقة. ودور المحلل هنا ليس أن يبادل المحلَّل الحب، أو أن يلبي مطالبه، بل أن يستخدم هذا الحب كمحرك للعلاج. فالمحلل، من خلال “رغبته كَمُحلِّل” (desire of the analyst)، يوجه هذا الحب نحو كشف حقيقة رغبة المحلَّل. فهو لا يضع نفسه في موقع الأنا المثالي الذي يرضي نرجسية المحلَّل، بل يحتل موقع “الموضوع (أ) الصغير” (objet petit a)، أي موقع سبب الرغبة، الفجوة التي تثيرها. ومن خلال هذا الموقع، يسمح المحلل للمحلَّل بأن يواجه نقصه الأساسي، وأن يفصل بين رغبته ومطالبه. فالحب في التحويل هو الذي يسمح بالانتقال من الحب النرجسي الخيالي، الذي يسعى إلى سد النقص، إلى حب يواجه الواقعي، ويعترف باستحالة سد هذا النقص. إنه حب يؤدي في النهاية إلى “عبور الخيال الأساسي” (traversing the fantasy)، وإلى تحمل الذات لنقصها ورغبتها، والوصول إلى شكل من أشكال “المواجهة” (jouissance) التي تتجاوز مبدأ اللذة. فالحب التحويلي، في نهاية المطاف، هو تجربة أخلاقية بامتياز، لأنه يدفع الذات إلى أن تعيش وفقاً لرغبتها، وأن تحب نقصها الخاص، وأن تجد في هذا النقص ذاته إمكانية الخلق والإبداع.

الحب كأخلاق للرغبة واعتراف بالنقص

في الختام، يقدم لنا لاكان، من خلال سيميناره الثامن، رؤية جذرية ومزلزلة للحب. فالحب ليس ملاذاً آمناً من قلق الوجود، بل هو المغامرة الكبرى التي نخوضها لمواجهة هذا القلق. إنه ليس علاقة امتلاء وتناغم، بل هو علاقة نقص وفقدان وفجوة. إنه لا ينشأ من الوفرة، بل من العوز. وهو لا يهدف إلى السعادة، بل إلى الحقيقة. ومن خلال التحويل، يصبح الحب هو الطريق الملكي لكشف هذه الحقيقة، حقيقة أننا كائنات منقسمة، تحركنا رغبة لا يمكن إشباعها.

وأن أعظم هدية يمكن أن نقدمها للآخر ليست ما نملكه، بل ما لا نملكه: نقصنا الذي هو جوهر كينونتنا.

المراجع
– Lacan, J. (2015). *The Seminar of Jacques Lacan, Book VIII: Transference, 1960-1961*. (J-A. Miller, Ed., & C. Gallagher, Trans.). Polity Press.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo