النرجسية، العلاقة السامّة، والبنية التلاعبية : تفكيك الالتباس

في ما يُسمّى العلاقة السامّة، يجب التمييز بدقة بين الوصف العلائقي والتشخيص النفسي. فالعلاقة السامّة ليست اضطرابًا في حدّ ذاتها، بل نمط تفاعل مؤذٍ يتميّز بسلوكيات ضارّة متكررة كالسيطرة، التلاعب، والإساءة العاطفية التي تُضعف احترام الذات والشعور بالأمان لدى أحد الطرفين. هذا النمط قد يظهر مع بنيات شخصية مختلفة، وليس حكرًا على بنية واحدة، مما يستدعي فهمًا نظريًا عميقًا للفروقات الدقيقة بين المفاهيم.

اختزال العلاقة السامّة في النرجسية وحدها يُفقر الفهم العلمي، ويُربك عملية التقييم العلاجي، إذ إن السلوكيات المؤذية قد تنتج عن اضطرابات تعلّق، هشاشة تنظيم انفعالي، اكتئاب، قلق، إدمان، أو نقص في الكفايات العلائقية، دون حضور بنية نرجسية مَرَضية بالضرورة.

الجذور التحليلية: فرويد والنرجسية الأولية والثانوية

يعود التأطير المفاهيمي للنرجسية إلى سيغموند فرويد، الذي قدّم في مقاله التأسيسي «للتعريف بالنرجسية» سنة 1914 تمييزًا دقيقًا بين النرجسية الأولية (Narcissisme primaire) والنرجسية الثانوية (Narcissisme secondaire).

النرجسية الأولية تمثل المرحلة المبكرة من النمو النفسي، حيث يكون الطفل هو موضوع الحب الأساسي لذاته، قبل أن يتجه الاستثمار الليبيدي نحو موضوعات خارجية. هذه المرحلة تُعد مكوّنًا طبيعيًا وضروريًا في تشكّل الأنا. أما النرجسية الثانوية فتشير إلى حركة ارتدادية يعود فيها الليبيدو من الموضوعات الخارجية إلى الأنا، وغالبًا ما تُلاحظ في سياقات إكلينيكية مثل الاكتئاب أو الذهان.

يشير فرويد بوضوح إلى أن نرجسية الأنا لدى الراشد ليست بالضرورة علامة مرضية، بل جزء من البنية النفسية الطبيعية، وأن تطور الأنا يفترض التخلي التدريجي عن نرجسية الطفولة مع بقاء حنين دائم لاستعادة ذلك الإحساس بالكمال. من هنا، لا يمكن التعامل مع النرجسية كمفهوم مرضي في حد ذاته، بل كبُعد بنيوي يتخذ أشكالًا صحية أو مَرَضية تبعًا لمسار التطور النفسي.

الانقسام النظري: Kohut وKernberg

شهدت سبعينيات القرن الماضي جدلًا نظريًا واسعًا حول النرجسية، خاصة بين Heinz Kohut وOtto Kernberg، وقد شكّل هذا الخلاف أحد أهم المنعطفات في فهم البنيات النرجسية وعلاجها.

مؤسس علم نفس الذات Kohut، اعتبر النرجسية حاجة نفسية أساسية، ورأى أن الإنسان يحتاج إلى قدر كافٍ من حب الذات ليشعر بالتماسك، الثقة، والاستمرارية الداخلية. في تصوره، تعود النرجسية المَرَضية لدى الراشدين إلى إخفاقات عاطفية مبكرة، حيث لم تُلبَّ الحاجات النرجسية الأساسية للطفل، وهي: حاجة المرآة، الحاجة إلى مثال مثالي يُتَماهى معه، وحاجة التوأمة أو الإحساس بالتشابه مع الآخر. عندما تفشل البيئة في الاستجابة لهذه الحاجات، تتشكل بنية ذات هشّة تعاني من تصدعات مزمنة.


في المقابل، يرى Kernberg النرجسية المَرَضية ضمن إطار تنظيم الشخصية الحدّية، حيث يقوم الفرد ببناء صورة متضخمة عن الذات كآلية دفاعية ضد فراغ داخلي وهشاشة بنيوية عميقة. يركز Kernberg على دور الآليات الدفاعية البدائية، مثل الانشطار والإسقاط، وعلى تدمير العلاقات الموضوعية الداخلية، مما يفسّر العجز العميق عن التعاطف الحقيقي.

الفارق الجوهري بين المنظورين يكمن في نقطة الارتكاز: Kohut يضع النقص التعاطفي في مركز التفسير، بينما يضع Kernberg البنية الدفاعية والتنظيم المرضي للشخصية في الصدارة.

النرجسية العظيمة والنرجسية الهشّة

في التسعينيات، قدّم Paul Wink مقاربة ميّز فيها بين بعدين أساسيين للنرجسية: النرجسية العظيمة (Grandiose Narcissism) والنرجسية الهشّة (Vulnerable أو Covert Narcissism).

تتسم النرجسية العظيمة بتقدير مرتفع للذات، الميل للهيمنة، الاستعراض، والشعور بالتفوّق. يظهر صاحب هذا النمط واثقًا، مسيطرًا، ويسعى إلى الإعجاب من خلال التفاخر المباشر والمبالغة في الإنجازات.

في المقابل، تتجلى النرجسية الهشّة في حساسية مفرطة للنقد، انسحاب اجتماعي، دفاعية عالية، وحاجة شديدة للاعتراف الخارجي لتعويض شعور داخلي عميق بعدم القيمة. هذا النمط يعاني من صعوبات أكبر في تنظيم المشاعر السلبية، ويكون أكثر عرضة للجرح النرجسي والانهيار أمام الإحباط.

ورغم التباين السلوكي الظاهري، يشترك النمطان في هشاشة البنية الداخلية واعتماد تقدير الذات على مصادر خارجية.

الدينامية العلائقية وتأثيرها على الشريك

داخل العلاقة، تختلف الدينامية باختلاف النمط النرجسي. النرجسي العظيم يميل إلى فرض السيطرة والهيمنة الصريحة، ويضع شريكه في موقع دوني مزمن، مع توقعات غير قابلة للتحقق. أما النرجسي الهشّ، فيمارس ضغطًا عاطفيًا من نوع مختلف، عبر الانسحاب، الصمت العقابي، أو لعب دور الضحية، مما يُغرق الشريك في شعور دائم بالذنب والتقصير.

كلا النمطين يشتركان في استخدام الآخر كامتداد للذات أو كـ«موضوع-ذاتي»، مع قصور بنيوي في القدرة على التعاطف المتبادل. غير أن الأثر النفسي على الشريك يختلف في شكله، وإن تشابه في عمقه.

البنية التلاعبية و الانحراف النرجسي

يُعد Paul-Claude Racamier أول من صاغ مفهوم الانحراف النرجسي (Perversion narcissique) لوصف بنية نفسية تتجاوز النرجسية المألوفة نحو نمط تدميري منظّم. عرّف Racamier هذه البنية كاستراتيجية دفاعية تهدف إلى حماية الذات من الألم الداخلي، الصراع، والحداد، عبر تضخيم قيمة الذات على حساب الآخر الذي يُختزل إلى أداة.

في هذا السياق، لا يكون التلاعب سلوكًا عرضيًا، بل نمطًا ثابتًا لتفريغ التوتر الداخلي في الآخر، مع الحفاظ على صورة مثالية للذات، وطرد كل ما هو مؤلم أو متناقض نحو الخارج.

الآليات الدفاعية في البنية التلاعبية

تعتمد البنية التلاعبية على آليات دفاعية بدائية ومُدمّرة، من أبرزها

الانشطار (Clivage):
يقسم شخصيته إلى قسمين متناقضين تمامًا—ملاك وشيطان، عظمة وعجز، ذات مثالية وذات محتقرة—دون القدرة على دمجهما.

الإسقاط التعريفي (Identification projective):
ينقل كل ما يرفضه في نفسه (الكره، العنف، التدمير، الشعور بالهجر، والذنب المكبوت) إلى الضحية، ليعيشه هو بدلاً منه.

الإنكار الوهمي (Déni):
يرفض الاعتراف بالواقع المؤلم، خاصة فيما يتعلّق بمسؤوليته أو نقائصه.

القلب الاتّهامي (Inversion accusatoire):
بدلاً من الاعتراف بأخطائه، يعكس الاتهام على الضحية ويجعلها مسؤولة عما يفعله هو بها. هذه الآلية تُعتبر من أخطر الآليات لأنها تُحدث تشويشًا ذهنيًا (confusion mentale) شديدًا لدى الضحية.

الوهم بالقدرة المطلقة (Toute-puissance):
يمنح نفسه شعورًا بالسيطرة المطلقة على الأحداث والمحيطين، مما يُهدّئ قلقه من محدوديته وهشاشته.

*سبق وتحدثنا عن هذه الآليات بتفصيل في مقال سابق

Gaslighting: تقنية التلاعب النموذجية

من أخطر أدوات التلاعب المستخدمة تقنية Gaslighting، وهي شكل من أشكال الإساءة العاطفية يهدف إلى زعزعة ثقة الضحية بإدراكها وذاكرتها. تشمل هذه التقنية إنكار الوقائع، تحريف الأحداث، لوم الضحية، التشكيك في سلامتها النفسية، والتظاهر بالقلق عليها كوسيلة للسيطرة.

الغاية النهائية هي إخضاع الضحية وجعلها تعتمد على تفسير المُعتدي للواقع، مع ما يرافق ذلك من ارتباك، شك، وانهيار تدريجي للثقة بالنفس.

الأثر النفسي والجسدي على الضحية

العيش في علاقة مع شخص ذي بنية تلاعبية يُخلّف آثارًا نفسية عميقة، تُعرف اصطلاحيًا بمتلازمة ضحية الإساءة النرجسية. تشمل هذه الآثار فقدان القيمة الذاتية، القلق المزمن، الاكتئاب، فرط اليقظة، صعوبات اتخاذ القرار، والخدر العاطفي.
على المستوى الجسدي، يؤدي الضغط النفسي المزمن إلى أعراض حقيقية مثل الصداع، اضطرابات النوم، مشاكل هضمية، ارتفاع ضغط الدم، وتغيّرات في الشهية. كما تظهر أعراض قريبة من الصدمة النفسية، مع إحساس دائم بعدم الأمان.
العزلة الاجتماعية المفروضة من طرف المُعتدي تزيد من هشاشة الضحية، وتُضعف قدرتها على تقييم الوضع بموضوعية.

التمييز بين النرجسية والبنية التلاعبية عند Hirigoyen

تُعدّ المختصّة الفرنسية الرائدة في دراسة التحرّش المعنوي، Marie-France Hirigoyen، من أبرز الأصوات التي شدّدت على ضرورة التمييز الواضح بين النرجسية العادية والبنية التلاعبية الأخطر. فهي توضّح أن:
“الشخصية النرجسية المنحرفة (Pervers narcissique) هي اضطراب في الشخصية النرجسية، متطرّف وخطير لأنه ملوّن بالانحراف الأخلاقي”.

وتضيف Hirigoyen أن الباحثين الأمريكيين يصفون هذا النمط بـالنرجسية الخبيثة (Malignant narcissism)، وذلك لأن هؤلاء الأشخاص
“يجدون متعة في تدمير الآخر”.

وفي مقابلة حديثة، تشير Hirigoyen إلى أن النرجسيين موجودون في كل مكان، غير أن وجود سمات نرجسية لا يعني بالضرورة حضور بُعد تدميري. فليست كل شخصية نرجسية مُدمّرة. الفارق الجوهري، كما توضّح، يتمثّل في البُعد التدميري المنظّم:
الشخص النرجسي قد يكون أنانيًا ويحتاج إلى الإعجاب، في حين أن الشخص ذو البنية التلاعبية يسعى بشكل منهجي إلى تدمير الآخر نفسيًا.

وتختصر Hirigoyen هذا الموقف بعبارة بالغة الدلالة:
“أمام الشخصية المنحرفة، لا نربح أبدًا، في أحسن الأحوال يمكننا أن نتعلّم شيئًا عن أنفسنا”.

الفصل الضروري: العلاقة السامّة والانحراف النرجسي

العلاقة السامّة قد تتقاطع مع البنية النرجسية، سواء كانت هشّة أو عظيمة، دون أن تبلغ بالضرورة مستوى البنية التلاعبية المنظّمة. فهناك علاقات تحمل أنماطًا مؤذية نتيجة قلق التعلّق، اضطرابات المزاج، الإدمان، أو نقص المهارات العلائقية، دون وجود تنظيم تلاعبي ثابت.

الفارق الحاسم هنا يتمثّل في القصدية اللاواعية والمنهجية في التدمير. ووفقًا لـRacamier، فإن البنية التلاعبية لا تُعد اضطرابًا عابرًا ولا حالة قابلة للشفاء بمجرد الوعي، بل هي بنية نفسية صلبة وغير قابلة للانعكاس. إنها استراتيجية نفسية متجذّرة تهدف إلى طرد الألم الداخلي وجعله يعيش في الآخر، مع الحفاظ على صورة مثالية عن الذات.

لا يمكن اعتبار كل توتّر، أو صراع، أو أذى عاطفي داخل العلاقة دليلًا على حضور هذا النمط التدميري المنظّم. فالتشخيص الدقيق يستلزم فهمًا معمّقًا للدوافع اللاواعية، والآليات الدفاعية البدائية، والأثر النفسي المنهجي والمستمر على الشريك.
إن التمييز بين النرجسية، العلاقة السامّة، والبنية التلاعبية يتجاوز كونه تمرينًا نظريًا، ليشكّل ضرورة إكلينيكية لفهم طبيعة المعاناة النفسية، وتحديد المسار العلاجي الأنسب لكل حالة.

الاسئلة المهمة، كيف نميّز المتلاعب، نكتشف قابليتنا للتأثّر، ونحمي ذواتنا دون أن نفقد إنسانيتنا

ما يهمّ أن نتذكّره فعلًا هو أن المتلاعب لا يُعرَف من شدّة حضوره بل من أثره المتراكم. لا يُكتشف من كلمة واحدة، بل من نمط متكرّر يجعلك تخرج من العلاقة وأنت أقل وضوحًا، أقل ثقة بنفسك، وأكثر شكًّا في إدراكك. إذا وجدت نفسك تبرّر باستمرار، تراجع ذاكرتك، تخفّف من إحساسك، أو تسأل نفسك: هل أبالغ؟ هل أنا السبب؟ فهذه ليست أسئلة صحّية، بل إشارات إنذار. المتلاعب لا يخطئ ثم يعتذر، بل يخطئ ثم يجعلك تشكّ في تعريف الخطأ نفسه.

السؤال الأصعب ليس: هل الآخر متلاعب؟ بل: هل أنا أرض خصبة للتلاعب؟ القابلية للتأثّر لا تعني ضعفًا أخلاقيًا، بل غالبًا تاريخًا من التعلّق القَلِق، أو تربية ربطت الحبّ بالاستحقاق، أو حساسية عالية تجاه الرفض، أو ضميرًا حيًّا يميل لتحمّل المسؤولية حتى حين لا تكون له. المتلاعب لا يختار الأقوى ولا الأضعف، بل الأكثر قابلية لتحمّل الذنب. من يشعر بالذنب بسرعة، من يخاف أن يُفهم على أنه قاسٍ، من يقدّم الانسجام على الحقيقة، يكون أكثر عرضة للانزلاق في هذا الفخ.

أما السؤال الأكثر شجاعة: هل يمكن أن أكون أنا متلاعبًا دون وعي؟ نعم، حين نستخدم الصمت للعقاب، أو نلوّح بالانسحاب بدل التعبير، أو نُربك الآخر عمدًا ليبقى قريبًا، أو نحمّله مشاعرنا بدل تحمّلها. الفرق الجوهري هو القدرة على الاعتراف والتصحيح. المتلاعب البنيوي لا يرى نفسه، ولا يشعر بالمسؤولية، ولا يتغيّر لأن الألم دائمًا في الخارج.

الحماية لا تبدأ بالقوة، بل بالوضوح. وضوح الحدود، وضوح اللغة، وضوح الإحساس الداخلي. أن تُسمّي ما يحدث دون تبرير، أن تثق بالإشارات الجسدية حين يتقلّص صدرك أو يتشوّش ذهنك، أن تراقب الأفعال لا الخطاب. المتلاعب يَعِد كثيرًا ويغيّر القواعد لاحقًا. الحماية تعني أيضًا تقبّل فكرة موجعة: ليس كل من نحبّ آمنًا لنا، وليس كل من نفهمه يستحقّ القرب.

في النهاية، السلامة النفسية لا تعني أن نُغلق قلوبنا، بل أن نُبقيها واعية. أن نُفرّق بين التعاطف والتواطؤ، بين الصبر والتآكل، بين الحبّ وإنكار الذات. هذا الوعي لا يجعلك أقسى، بل أكثر صدقًا مع نفسك، وأقل قابلية لأن يُعاد تشكيلك على مقاس ألم لم يكن يومًا ألمك.

تعليق واحد
  1. […] شائعًا أن نسمع تبريرات مثل: «أنا لغتي الوقت النوعي، وهو لغته الخدمات، لذا نحن غير م…. تكمن الإشكالية هنا في استخدام النموذج كحكم قضائي […]

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo