العادة الوجوبية (musturbation): كيف تدمر كلمة “يجب” صحتك النفسية؟

فخ العادة الوجوبية وكيف تشكل كلماتنا الصباحية واقعنا النفسي

في كل صباح، حين نفتح أعيننا على العالم، يبدأ في أعماقنا حوار داخلي خفيٌّ لا يكاد يُسمع، لكنه يرسم بصمت ملامح يومنا بأكمله. نطمح جميعًا إلى صباح الفضول وصباح القرارات الواعية، لكنّ الواقع كثيرًا ما يسير في اتجاه مغاير. فماذا تعرف حقًّا عن هذه العادة المتجذّرة فينا؟ والأهم من ذلك: ما الشعور الذي انتابك حين قرأتَ كلمة “يجب” للتوّ؟ وكيف ينقبض صدرك في كل مرة تُردّدها لنفسك دون أن تعي ذلك، وأنت تستعدّ لمواجهة يومك؟

إن أخطر كلمة تقولها لنفسك في الصباح هي كلمة “يجب”، تلك التي تتسلّل إلى عقلك وتفرض سيطرتها على تصرفاتك قبل أن تدرك ما يحدث. تأمّل كيف تبدأ يومك: هل تقول “يجب أن أُنجز”، أو “يجب أن أكون”، أو “يجب أن أتغيّر”؟ هذه الكلمة الصغيرة تبدو بريئةً في ظاهرها، لكنّها في الحقيقة تحوّل يومك من مغامرة مفتوحة على الاحتمالات إلى محاكمة قاسية تفرضها على نفسك، وتنتظر فيها إصدار الحكم على قيمتك الذاتية بناءً على ما ستُحقّقه.

التفسير العلمي والنفسي العميق لتأثير كلمة يجب

الأمر يتجاوز مجرد التنمية البشرية السطحية ليصل إلى عمق أدمغتنا حيث يكشف علم الأعصاب أن كلمة يجب تفعل في الدماغ نفس مناطق التهديد والخطر. كأن جهازك العصبي يسمعها كتحذير صارم بوجود خطر محدق يهدد بقاءك لا كدافع إيجابي للعمل والإنتاج. عندما تفرض على نفسك الواجبات الصارمة يستجيب جسدك فورا بإفراز هرمونات التوتر. وفي هذا السياق العميق قال ألبرت إليس مؤسس العلاج العقلاني الانفعالي إن معظم المعاناة النفسية لا تأتي من الواقع الذي نعيشه بل من اليجب التي نفرضها على أنفسنا وعلى الآخرين من حولنا. وقد أسماها بمصطلح ساخر ودقيق وهو الإدمان على فرض اليجب على كل شيء (musturbation)والذي يمكننا تعريبه بمصطلح العادة الوجوبية. وهي حالة الإدمان على فرض كلمة يجب في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا حيث تمارس نوعا من الإيذاء الذاتي غير المرئي وتستنزف طاقتك النفسية والعقلية في معركة وهمية داخلية لا تثمر شيئا على الإطلاق سوى المزيد من الإرهاق والاحتراق النفسي المبكر.

المقارنة الحاسمة بين إشعال القلق وإشعال الفضول

عندما نتأمل في سلوك البشر نجد أن هناك فرقا جوهريا بين إنسان ينمو ويتطور باستمرار وإنسان ينهك نفسه ويستنزف طاقته بلا طائل. الفيصل هنا هو سؤال واحد يبدأ به يومه ويحدد مسار ساعاته القادمة. الأول يسأل بضيق ماذا يجب أن أفعل اليوم بينما الثاني يسأل بانفتاح ماذا أريد أن أستكشف اليوم أو ماذا أختار أن أفعل اليوم. السؤال الأول يشعل القلق في النفس ويضع عبئا ثقيلا على الأكتاف بينما الثاني يشعل الفضول الإيجابي ويفتح أبواب الشغف والتعلم. ومن المعروف علميا ومثبت بالتجارب أن الدماغ الفضولي يتعلم أسرع ويستوعب المعلومات بكفاءة أعلى ويصمد أطول أمام التحديات ويبدع أعمق بكثير من الدماغ الخائف والمقيد بالواجبات الصارمة والمستمرة التي تخنق الابتكار وتحد من التفكير الحر.

قوة الاختيار البيولوجية كأداة لتغيير كيمياء الدماغ

بناء على هذا الفهم العميق لعمل أدمغتنا أدعوك اليوم لأن تأخذ كل يجب تدور في رأسك وتستبدلها بعبارة أختار أن. التطبيق العملي لذلك بسيط ولكنه فعال للغاية فمثلا عبارة يجب أن أنجح حولها فورا إلى أختار أن أتقدم وعبارة يجب أن أكون أفضل حولها بيقين إلى أختار أن أنمو. إنها جملة واحدة صغيرة وبسيطة لكنها تنقلك جذريا من حالة الشخص المحكوم والمجبر الذي ينفذ الأوامر إلى صاحب القرار الحر الذي يمتلك زمام حياته ويوجهها بوعي. وهذا ليس كلاما دافعيا فارغا يتبخر مع أول عقبة تواجهك بل هو قرار بيولوجي حقيقي ومثبت علميا. حين تستبدل يجب بكلمة أختار فإنك تنتقل فورا من تفعيل اللوزة الدماغية التي تمثل مركز الخوف والتهديد والاستجابة للضغوط إلى تفعيل قشرة الفص الجبهي التي تعد مركز الإرادة والتفكير المنطقي والتخطيط الواعي. إن دماغك يتغير كيمياؤه حرفيا بتغيير كلمة واحدة فقط من قاموسك اليومي. هذا هو أرخص وأفضل قرار بيولوجي يمكنك اتخاذه كل صباح قبل أن تغادر سريرك لتبدأ يومك بوعي ويكون حقا صباح من يختار لا من يجبر.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo