الاغتراب البيولوجي: لماذا تحولت غرائز النجاة القديمة إلى قلق رقمي مزمن؟

في أواخر القرن الثامن عشر اهتز العالم على قصة طفل عثروا عليه في غابات أفيرون في فرنسا وأطلقوا عليه اسم فيكتور هذا الطفل عاش سنوات طويلة معزولاً تماماً عن البشر كان يمشي على أربع ويأكل اللحم النيء ولا يتكلم شكلت حالته وحالة أطفال آخرين سموا بأطفال البرية صدمة معرفية كبرى للعلماء
هؤلاء الأطفال الذين كبروا في الغابات أو في عزلة تامة أظهروا لنا حقيقة قاسية وهي أن الإنسان بلا تنشئة اجتماعية وبلا لغة وبلا ثقافة تتبقى فيه فقط الغرائز البدائية العارية فلا يستطيع الاندماج ولا يتطور دماغه بالطريقة التي نعرفها لأن الفترة الحرجة لبناء الخلايا العصبية قد فاتته
لكن هذه الظاهرة تضع أمامنا مرآة عميقة وصادمة لأنفسنا نحن الذين نعيش في قمة الحضارة والتكنولوجيا فإذا كان طفل البرية يمثل الإنسان الذي حرم من البرمجيات الاجتماعية وبقي محبوساً في الطبيعة فنحن نمثل الوجه الآخر للعملة نفسها
الحقيقة البيولوجية والعصبية الصادمة هي أننا من الناحية التشريحية والجينية ما زلنا مئة في المئة ذلك الإنسان العاقل الذي ظهر على هذه الأرض قبل نحو ثلاثمئة ألف سنة وربما أكثر والأخطر من هذا هو أن جهازنا العصبي الحالي ودماغنا يطبقان نفس البرمجيات والآليات التي استقرت تماماً منذ أربعين ألف سنة في العصر الحجري العلوي عندما كان الإنسان يقوم بالثورة المعرفية ويرسم في الكهوف ويصنع أدوات الصيد البدائية
المشكل الجوهري اليوم هو أننا نمتلك أدمغة من العصر الحجري استقرت منذ أربعين ألف سنة ومحبوسة في عالم القرن الحادي والعشرين هذه الفجوة الهائلة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء التطور البيولوجي لأن عشرة آلاف سنة من الحضارة هي مجرد رمشة عين في تاريخ التطور هي ما يسميها العلماء عدم التطابق التطوري وهي المفتاح لفهم كل الصراعات النفسية التي نعيشها اليوم
تجليات الدماغ القديم في العالم الحديث
كيف يعمل هذا الجهاز العصبي القديم وسط حياتنا اليومية
خوف النمر في بريد المدير الإلكتروني في البرية كانت اللوزة الدماغية تفرز الأدرينالين والكورتيزول لإنقاذ حياتك من حيوان مفترس عبر آلية الكر أو الفر واليوم لا يميز دماغك عصبياً بين نمر يريد التهامك وبين إشعار في الهاتف أو بريد إلكتروني مستعجل من المدير أو نقاش حاد في مواقع التواصل الاجتماعي حيث يعيش الجسم نفس حالة الطوارئ البيولوجية وهذا هو أساس القلق المزمن الذي ينخر إنسان اليوم
فخ الدوبامين والوفرة الفائقة لقد تمرس أسلافنا عصبياً على البحث عن السكر والدهون والمعلومات لأنها كانت نادرة وثمينة للنجاة في العصر الحجري واليوم أصبح السكر موجوداً في كل ركن والمعلومات والترفيه يتدفقان علينا بضغطة زر واحدة والدماغ القديم لا يعرف كيف يقول كفى وهذا الأمر يستغله مصممو الخوارزميات عبر التصفح اللانهائي لتوليد شحنات دوبامين متتالية تجعلنا مدمنين ومشتتين
رعب النبذ الاجتماعي في العصر الحجري كان الرفض من القبيلة يعني الموت المحتم في الغابة ولذلك طور الدماغ مراكز ألم تعالج الألم الاجتماعي والرفض بنفس الطريقة التي يعالج بها كسراً في العظام واليوم إذا نشرت صورة ولم تحصد الإعجابات أو تعرضت للتهميش في عملك فإن جهازك العصبي يتعامل مع الأمر كتهديد وجودي حقيقي للنجاة
ما الذي يعنيه هذا نفسياً
إن هذا الاستنتاج يضعنا أمام مواجهة نفسية وجودية مع ذواتنا ونفسياً يعني هذا أن الإنسان الحديث يعيش في حالة اغتراب بيولوجي دائم فنحن لسنا سيئين أو ضعفاء لأننا نقلق أو لأننا نقع في فخ الإدمان الرقمي أو لأننا نتحسس بشكل مفرط من النقد بل نحن ببساطة روبوتات بيولوجية مبرمجة لبيئة لم تعد موجودة
هذا الفهم يغير تماماً الطريقة التي ننظر بها إلى المرض النفسي والصحة النفسية
إعادة تعريف الاضطراب إن الكثير مما نسميه اليوم اضطرابات نفسية كالقلق واضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة والاكتئاب ليس بالضرورة خللاً في الدماغ بل هو في الغالب استجابة صحيحة وصحية من دماغ قديم لبيئة حديثة خاطئة ومريضة فالدماغ يفعل ما جُبل عليه لحمايتنا منذ أربعين ألف سنة لكن الأدوات والظروف تغيرت بشكل مرعب
الوعي كأداة للتحرر عندما نفهم عصبياً من نكون فعلياً فإننا نكتسب مسافة أمان نفسية بين النبضة البدائية وبين سلوكنا وإن الجزء الأحدث في دماغنا وهو القشرة الجبهية المسؤولة عن الوعي والتحليل هو وسيلتنا الوحيدة لإعادة توجيه هذه الماكينة القديمة
التصالح مع الذات هذا الاستنتاج ينزع عنا جلد الذات السايكولوجي إنه يدعونا إلى ممارسة تعاطف أعمق مع أنفسنا ومعالجة قلقنا ليس كعيب شخصي بل كأثر جانبي لذكاء بشري خارق استطاع تغيير العالم تكنولوجياً لكنه عجز عن تغيير طبيعته البيولوجية بالسرعة نفسها
في النهاية بين طفل البرية الذي نسيه البشر في الطبيعة وإنسان اليوم الذي نسيته الطبيعة في زحام الحضارة يبقى القاسم المشترك واحداً فنحن أسرى هذا الدماغ العتيق الذي بدأت جيناته منذ ثلاثمئة ألف سنة واستقر تصميمه منذ أربعين ألف سنة وفهمنا لآلياته المعقدة هو أول خطوة حقيقية نحو التوازن والسلام النفسي
أطفال البرية أو الأطفال المتوحشون هم الأطفال الذين عاشوا لظروف معينة معزولين عن المجتمع البشري وعن صوت وصورة الإنسان منذ صغرهم ولم يتلقوا أي رعاية أبوية أو تربية اجتماعية أو لغوية
هؤلاء الأطفال ينقسمون عموماً إلى نوعين
أطفال عاشوا مع الحيوانات وهم الذين ضاعوا في الغابات أو البرية وتبنتهم حيوانات مثل الذئاب أو القردة أو الدببة وعاشوا معها كفرد من القطيع
أطفال العزلة الشديدة وهم الأطفال الذين عاشوا داخل البيوت ولكنهم تعرضوا لحبس وعزلة تامة وقاسية من طرف آبائهم أو أقاربهم مثل حالة الطفلة الشهيرة جيني في أمريكا لدرجة أنهم لا يرون أحداً ولا يتحدث معهم أحد
أشهر الحالات الواقعية التي سجلها التاريخ
فيكتور طفل أفيرون عثروا عليه في فرنسا عام ألف وسبعمئة وسبعة وتسعين وهو في سن الثانية عشرة تقريباً وكان يعيش في الغابة كحيوان بري ودرس حالته الكثير من العلماء وحاولوا تعليمه الكلام والسلوك البشري لكنه واجه صعوبة كبيرة
أمالا وكمالا طفلتان عثروا عليهما في الهند عام ألف وتسعمئة وعشرين تعيشان في جحر للذئاب وكانتا تمشيان على أربع وتأكلان اللحم النيء وتعويان مثل الذئاب في الليل
جيني حالة عزلة قسرية في السبعينيات في أمريكا حيث احتجزها والدها منذ أن كان عمرها عشرين شهراً حتى سن الثالثة عشرة وعندما عثروا عليها كانت لا تعرف الكلام نهائياً ولا تجيد التفاعل مع البشر
