العناد في العلاقات : ماذا يقول التحليل النفسي

العناد في العلاقات…

في العلاقات، يظهر العناد كصخرة صغيرة في مجرى الماء، تكبر ببطء حتى تغيّر مسار النهر كله.

لا يبدأ الأمر بمعركة، بل بنبرة، بتشبثٍ خفيف بالرأي، بعبارةٍ مثل: «أنا لا أرى الأمر هكذا». لكن ما يلبث هذا الموقف البسيط أن يتحول إلى جدارٍ غير مرئي يفصل بين قلبين كانا في يومٍ ما يتنفسان الإيقاع نفسه. لكن ماهي الجذور النفسية لهذا العناد ؟

في العناد سرّ غريب: إنه الوجه الآخر للحب، للحاجة القديمة إلى أن يُؤخذ رأينا بجدية، أن نُحَسّ بأننا نملك أثرًا في هذا العالم.

العناد في طبيعته ليس شيئًا سلبيًا دائما. في الواقع هو تلك النواة الصلبة التي تحفظ للفرد توازنه وهويته وسط ضجيج الامتثال. كل طفل عنيد في البداية، لأنه يريد أن يختبر حدود الممكن. لكن حين يتكلّس هذا العناد ويتحول إلى عقيدة داخلية، يصبح الإنسان أسيرًا لصورة يظنها «قوة» بينما هي في جوهرها خوف من الانكسار.

العناد المرضي او المزمن هو حين لا يعود الشخص يقاوم الظلم، بل يقاوم كل شيء… حتى ما فيه نفعه.

يُعارض بدافع اللاشعور، كمن يقول في داخله:

«لن أُمنَح السيطرة لأحد، حتى لو كان الأمر ضد مصلحتي».

من منظور التحليل النفسي، هذا النمط قد ينشأ في الطفولة حين يشعر الطفل بأن قراراته تُلغى أو تُسلب منه باستمرار. فيتولد داخله نوع من الثأر الصامت ضد السلطة (الأب، الأم، المعلم، المجتمع…). في اللاوعي، يتخذ هذا الثأر شكل رفض دائم، رفض للاستسلام، رفض للانقياد، رفض للاعتراف بالخطأ. وكلما زادت محاولات السيطرة عليه، زاد تصلبه.
إنه ما يسميه لاكان التمسك بالـ”Non”، أي بالرغبة في أن يقول «لا» كوسيلة وحيدة للحفاظ على الوجود.

العناد المرضي هو تمسّك قَلِق بالذات حين تهتزّ حدودها اكثر من كونه تمرد ناضج.
فالإنسان العنيد مرضيًا لا يرفض لأن لديه بديلًا أفضل، بل يرفض لأن القبول يعني الاعتراف بالعجز، أو بالخضوع، أو بأن الآخر كان على صواب.
إنه يعيش حالة من التيبس النفسي، كعضلةٍ لا تعرف كيف ترتخي.

تحت هذا التيبس يقبع طفل صغير يشعر بأنه سيُبتلع إن هو استجاب.

من الزاوية العصبية، العناد المزمن يرتبط غالبًا بفرط نشاط في مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم والانفعال (كاللوزة الدماغية)، مع ضعف في مناطق المرونة المعرفية واتخاذ القرار (كالفص الجبهي الأمامي). أي أن الدماغ يعلق في دائرة المقاومة الدفاعية بدل التقييم الهادئ. ولهذا ترى الشخص العنيد في هذه الحالة لا يغيّر رأيه حتى لو واجه أدلة واضحة، لأن القضية لم تعد فكرية بل وجودية: إما أن يثبت ذاته، أو ينهار.

العناد المرضي ليس عنفًا ظاهرًا دائمًا، انما هو شكل خفي من المقاومة:
رفض، تأجيل، صمت طويل، انسحاب متعمد، أو حتى تدمير الذات لإثبات أنه لا يخضع.

وهنا المفارقة المؤلمة:

إنه يقاوم من أجل الشعور بالقوة، لكنه ينتهي إلى فقدان السيطرة على حياته كلها.

العلاج لا يبدأ بمحاولة كسر العناد، لأن ذلك يرسّخه أكثر، بل بفهمه كآلية دفاعية.
حين يشعر الفرد بالأمان، بالاعتراف، وبأن رأيه لا يُلغى، يبدأ العناد بالتحوّل إلى إصرار صحيّ.
حين يُمنح العناد معنى، يصبح طاقة.
أما حين يُحتقر، يتحول إلى جدار.

في النهاية هو نداء خفي من الداخل يقول: أريد أن أكون موجودًا بشروطي.
لكن المفارقة أن الوجود لا يتحقق بالشروط بل بالمرونة، ولا بالقوة بل بالتماس مع الهشاشة.
فكل عناد مبالغ فيه يخفي خلفه جرحًا لم يُعترف به بعد.

النضج، في جوهره، ليس أن ننتصر على الآخرين، بل أن نصالح ذاك الطفل الذي ما زال يقف في الداخل، يصرّ على قول “لا” لأن أحدًا لم يحتمل “نَعَم” منه يومًا.

وحين يحدث هذا اللقاء، حين يهدأ الصراع، يتحوّل العناد إلى صلابة هادئة، إلى إرادة تعرف كيف تقول “نعم” دون خوف، و”لا” دون حرب.
حينها فقط، لا تعود المقاومة ضد الحياة… بل في خدمتها.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo