هل مقاومة روح “الكولوسيوم” في الجماهير المغربية مفيد للفوز بالكأس؟

تلعب كرة القدم كطقس جماعي كثيف الرمزية، إنها وريثة أشكال قديمة من التفريغ النفسي، أعيدت صياغتها بلغة الحضارة لكنها مستمرة وشعبية جدا، فقط لأنها تجمع أقوى ثلاث أبعاد لخلق الشعبية القصوى وهي : الصراع، الحشد وهندسة تفريغ هذه المشاعر في الكولوسيوم.

الكولوسيوم وهو شكل الملعب الذي بقي كما كان أيام متابعة الجماهير للمصارعين حتى مصرع خصومهم!

الملاعب الحديثة وريثة مباشرة للكولوسيوم القديم، فضاءات أُنشئت لاحتواء الانفعال الجماعي. إنه كيان انفعالي حي، يضخ الطاقة، يضاعف الإحساس، ويخلق حالة اندماج تتجاوز الفرد. الهتاف، الصفير، الغضب، وحتى الفوضى المنظمة، كلها عناصر تشتغل كصمامات لتفريغ توتر اجتماعي متراكم.

فحين يدخل المنتخب إلى الملعب، يدخل محمولاً برغبة جماعية. اللاعب لا يتحرك وحده، هو إما أن يتصل بروح الكولوسيوم أو ينقطع عنها ، وتحدث مفارقة سخط الجماهير أو حتى دعم الخصم إذا التقط إشارة الكولسيوم التي تتماهى مع التفوق والقوة أكثر من الانتماء، وقد تتعاطف مع الضعيف القريب من الموت ، فقط لأنه التقط الإشارة وتصرف فجأة كوحش يغذي عطش البشر القديم للبعث وسط قسوة الحياة.

الكولوسيوم هي أول هندسة لتدبير العنف وطاقته النفسية الجماعية، في العالم القديم روما أثينا وقرطاج وليكسوس، كان الدم هو الوسيط الذي ينهي تفريغ الطاقة الجماعية. في كرة القدم اليوم ، صافرة النهاية هي من ينهي بقاء الفريق المهزوم في البطولة ، الهزيمة هي الدم البديل بعد توالي الأهداف، الالتحامات، و الصراع حتى الثانية الأخيرة.

وهذه الروح وحدها من تمنح المقاتلين داخل الملعب التفاعل بالشراسة ، الجرأة على المخاطرة، قدرة على خلق النتائج تحت الضغط.

لكن ماذا يحدث حين نحاول قمع هذه الروح ؟

الملاحظ أن الكثير من الإعلاميين يبدأون القمع غالباً بلغة ناعمة، دعوات مفرطة للهدوء، وخطاب أخلاقي حول “ضرورة دعم المنتخب بدل انتقاده” في لحظات لا تحتمل البرود ، وتخويف من ضغط الجماهير بدل التفاعل معه، في 2022 وجد الجمهور قائدا وفي 2025 وجد متهربا.

الجمهور الذي يشعر بأنه مُراقَب لا مشارك و أنه مطالب بالتدجن، بالتأكيد سيبحث عن مقاتلين آخرين يسمحون لهم بتفريغ انفاعلاتهم دون شروط، وهذا ما وقع في أكادير ، لقد فرح عموم الجمهور لأول هدف ضد مصر لصالح زيمباوي ، لكنهم هتفوا لها حين اتصل بهم الفريق المصري في روح القتال داخل الملعب.

وفي مباراة كرة القدم يلعبها منتخبنا، نرى لاعبا يطلب من الجمهور الصمت وهو يؤخر لعب كرة جانبية في آخر وقت المباراة ، وآخر يلوم الجماهير على انفعالها وأنها لاتقدر انتصارات المنتخب على خصوم في الوديات من صنف القبعة الثالثة!

من الضروري أن يكون الفريق منضبطاً لمدربه، لكن لماذا هذا الحرص على فصل روحه عن الجمهور؟
في الأدوار الإقصائية القادم ستُحسم المباريات في مباراة واحدة، مع تحمّل القلق واللعب تحت تهديد الخسارة وتحويل الضغط إلى اندفاع.

قمع روح الكولوسيوم يضعف هذه القدرة. اللاعب يتردد، يختار الحل الآمن، يخشى الخطأ أكثر مما يرغب في الحسم. هنا تضيع المباريات التي يفترض أن تحسم نفسياً.

لحد الساعة هناك إنكار تام من المدرب أن الجمهور لم يقبل اختبار المنتخب في وديات من الفرق من القبعة الثالثة، وهو لايقبل حتى أن هناك خطر يهدد الفرصة الحالية للفوز بالكأس.

وهناك إشارة أخطر في محاولات قمع الطاقة الجماعية للجمهور المغربي، إنها الإشارات التي تصل الخصوم.

فالخصم يلتقط الإشارات بسرعة من المدرجات، ويستعيد تركيزه بسبب مدرج محبط بالمحاولات الفاشلة خلال المباراة، وفريق يلعب بعقل بارد أكثر من اللازم والانقطاع عن تفاعل إيجابي مع الضغط الخارجي.
هذه الحالة تسمى هدية الإحساس بالأمان تجاه تحالف الجمهور بالمنتخب ، فالخصم يشعر بالأمان، يستعيد ثقته، ويبدأ في اللعب بحرية أكبر.
بل أكثر من ذلك، قد يستثمر هدوء المدرج، أو إحباطه ليحوّل الضغط على أصحاب الأرض أنفسهم. وهذا ما وقع امامنا في المباراة أمام مالي.

بكل صراحة، لقد نجح المدرب في التهرب شهور طويلة من اختبار المنتخب في تحديات حقيقية، والتفاعل الإيجابي مع روح الجمهور هي العامل الحاسم الباقي للفوز بالكأس ، والفوز بالكأس يحتاج
مدرباً يتفهم النفس الجماعية بقدر ما يفهم التكتيك، كما كان يفعل في قطر وهو يحارب كمدرب صاعد ، وليس كتقني منغلق.
وقمع روح الكولوسيوم تجهز على الفارق الايجابي داخل الملعب،ويمنح الخصوم أفضلية نفسية مجانية.

نحتاج أن يتصل يقود المدرب واللاعبون انفاعلات الجمهور داخل المعلب، أن يجيبوا على التخوفات.

هذه الكأس ستُرفع بالأهداف، بدعم من روح الكولوسيوم .

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo