لماذا ينهار عالمنا كله.. ووجودنا كله بانهيار العلاقة؟

نحن نعتقد دائماً أن “الحب” هو أعظم شيء في الوجود..

وهو كذلك، بالمعنى الرومانسي الحالم، “والعبيط”، والجميل جداً… نعم، الحب في منتهى الجمال!

لكن..

الحقيقة السيكولوجية والبيولوجية الصارمة تقول إن الحب، في جوهره، هو…

أعظم تجلٍّ وأعقد ظهور لتفاعلاتنا النفسية والعصبية.

“إذا أردنا أن نختزل كل التعقيدات النفسية التي طرحناها، سنجد أن ‘الحب’ يقف كأعظم مختبر بشري شامل.. فيه تُختبر آلياتنا الدفاعية، وتنكشف حقيقة تشافينا، وتمتد خيوطه لتفسر ليس فقط طبيعة علاقاتنا الأسرية، بل وحتى دوافعنا الخفية، وأقنعتنا، وطريقة إدارتنا لمساراتنا المهنية.”

إنه المسرح الضخم الذي تخرج فيه كل عقدنا، شكل طفولتنا، كيمياء أدمغتنا، وإرثنا البيولوجي…

لتلعب جميعها دور البطولة المطلقة تحت مسمى “العاطفة”.

صدمة الواقع وأكذوبة العصر الحديث

ولأننا لا نفهم حقيقة هذه الكيمياء المعقدة، نقع بسهولة ضحايا لأكذوبة العصر الحديث التي دمرت ملايين العلاقات:

“الحب يصنع المعجزات.. والحب وحده يكفي”

أعرف أن هذه الجملة قد تبدو كفراناً بكل ما نشأنا عليه.. لكن الواقع السيكولوجي لا يكترث للرومانسية الساذجة…

كم من علاقة احترقت.. ووقودها كان حباً صادقاً؟

كم من منزل انهار.. ولم يكن ينقصه الحب أبداً، بل كان ينقصه “النضج”؟

نحن ضحايا برمجة أقنعتنا أن شدة التعلق هي شهادة ضمان للمستقبل، لكن كبار علماء النفس ينسفون هذه الفكرة.

يقول سيغموند فرويد واصفاً هذه الهشاشة:

“نحن لا نكون بلا دفاع أمام المعاناة أبداً، كما نكون حين نحب.”

“معظم ما نسميه حباً في البدايات، هو محاولة لا واعية لاستعادة ‘وهم قديم’. نحن نستخدم الشريك لإعادة إنتاج ديناميكية طفولتنا، وتحديداً لتعويض طريقتنا في التعامل مع ما يسميه التحليل النفسي: ‘الإخصاء الرمزي’.

الإخصاء الرمزي لا علاقة له بالجسد، هو ليس مجرد ‘فطام’ عن رعاية الأم.. بل هو ‘القطع النفسي الأكبر’. هو اللحظة القاسية التي يتدخل فيها ‘قانون الواقع’ ليوقظ الطفل من وهمه بأنه ‘محور الكون’. هو الصفعة النفسية التي يدرك بها الطفل بقسوة أنه ‘ليس كل شيء’، وأنه كائن ‘ناقص’ خاضع لقواعد تتجاوزه، وأن الآخرين ليسوا مجرد أدوات خُلقت لتسد رغباته.”

أبواب الحب الثلاثة من نافذة الطفولة

وهنا نجد أنفسنا ندخل ساحة الحب من ثلاثة أبواب خفية، تشكلت في طفولتنا وتحدد مصير علاقاتنا:

الباب الأول: الدلال المفرط (وهم الإله الصغير):

طفولة مفرطة المثالية لم يختبر فيها الطفل كلمة “لا”، ففشل “إخصاؤه الرمزي”. يكبر رافضاً لـ “النقص”، ويدخل العلاقة ليبحث عن خادم أو مرآة تعكس عظمته. تقصير الشريك هنا لا يُحزنه، بل يعتبره طعنة في “ألوهيته الموهومة” فيثور تدميرياً.

الباب الثاني: الحرمان القاسي (الثقب الأسود):

طفولة حدث فيها الإخصاء كـ “بتر وحشي”. يكبر بفجوة مرعبة ورعب من الترك، ويدخل العلاقة بحثاً عن “منقذ” وطوق نجاة. حبه خانق واستنزافي لأنه مبني على رعب البقاء لا على الاختيار.

الباب الثالث: الإخصاء الناجح (الحب الناضج):

طفولة “جيدة بما يكفي” سمحت للطفل بتجربة إحباطات محتملة بأمان. يكبر متقبلاً لنقصه البشري، ويدخل العلاقة ليبحث عن “رفيق” يشاركه هذا النقص بسلام.

ولأن الأغلبية الساحقة منا تدخل إلى العلاقات من البابين الأول والثاني، هرباً من الاعتراف بنقصها..

هنا.. يتحول الحب إلى جحيم حقيقي!

رقصة الموت السيكولوجية والانهيار الوجودي

يتحول الحب إلى ساحة للدمار المتبادل في اللحظة التي تلتقي فيها الصدمات (كأن يلتقي النرجسي من الباب الأول، باليتيم عاطفياً من الباب الثاني).

هنا تحدث رقصة الموت السيكولوجية…

كلاهما يرفض الاعتراف بنقصه، وكلاهما يطالب الآخر بأن يكون “الإله” الذي يسد الفراغ.. والبشر لا يستطيعون لعب دور الآلهة.

لماذا ينهار عالمنا كله.. ووجودنا كله بانهيار العلاقة؟

وهنا سنفهم الإجابة عن هذا السؤال: حين يرحل الشريك، لماذا لا نشعر بمجرد “حزن” طبيعي، بل نشعر وكأن العالم قد انهار ووجودنا قد مُحي؟

يُجيبنا الفيلسوف وعالم النفس المعاصر سلافوي جيجك (Slavoj Žižek) قائلاً:

“الحب هو تجربة صدمة كونية.. لأنك تضع كيانك كله في يدي شخص آخر.”

حين يرحل الشريك، عالمك ينهار لأنه لم يكن مجرد “شخص”. بالنسبة لشخص يرفض الاعتراف بنقصه (غير مخصي رمزياً)، كان الشريك هو “اللاصق” الذي يجمع شتات هويته والدليل الوحيد على أنه “كامل”. رحيله يعني أنك فقدت “وهم الكمال”، وسقطت فجأة في هاوية “النقص” المرعبة.

الانهيار الذي تشعر به هو حرفياً “انهيار وجودي” (Ontological Collapse). أنت لا تبكي غيابه.. أنت تصرخ لأنك تواجه حقيقتك العارية: أنك كائن وحيد وناقص.

لذلك.. الحب وحده لا يكفي أبداً.

نحو النضج وقبول النقص

ما يُبقي العلاقات حية بعد أن تبرد كيمياء الدماغ ليس شدة الحب، بل “نضجك وقبولك لنقصك”:

قدرتك على تحمل خيبة الأمل في الشريك: لا انبهارك الدائم بمحاسنه.

قدرتك على خوض “صراع صحي ومحترم”: لا قدرتكما على تجنب الخلافات والهرب.

شجاعتك في سحب إسقاطاتك النفسية عنه: لا مطالبتك المستمرة له بأن يحرس وجودك.

يقول المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان (Jacques Lacan) :

“أن تحب، هو أن تعترف بنقصك العضوي، وأن تُعطي ما لا تملك، لمن لا يطلبه.”

الحب الحقيقي ليس أن تجد من “يُكملك”، بل أن تجد من تشاركه “نقصك المشترك” بوعي.

الحب غير الناضج يقول:

أنا ضائع وممحو بدونك

أنت مسؤول عن إنقاذي من نفسي

حبي لك يعطيني الحق في امتلاكك

بينما الحب الناضج، الواعي، والمتبصر يقول:

أنا كائن ناقص، وأنت كائن ناقص، ولن نطلب من بعضنا الكمال.

أنا أراك كما أنت، بندوبك وعيوبك، وأتوقف عن محاولة إصلاحك.

وجودي لا يعتمد عليك، لكنني أختار أن أشاركك هذا الوجود رغم قسوته.

الحب شرارة مذهلة.. لكن الشرارة تحرق المنزل، وتدمر الوجود، إن لم تجد موقداً من “الوعي” يحتويها ويضبطها.

التشافي الحقيقي يبدأ حين تحدد بدقة: من أي باب دخلت أنت إلى علاقاتك؟ بمجرد أن تدرك احتمالك، تبدأ رحلتك نحو النضج.

أرجوك.. ابحث عن شخص خضع لـ “إخصائه الرمزي” بشجاعة ويحبك بـ “وعي”. فالحب الأعمى قد يجعل وجودك مرهوناً بمزاجه.. بينما الوعي وحده، يبني لك بيتاً آمناً في داخلك، لا ينهار حتى لو غادر الجميع.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo