القندس أكثر وفاءً من الإنسان.. هل نحن مبرمجون بيولوجياً على الإخلاص؟

في مفاجأة علمية تعيد صياغة فهمنا للعلاقات وتضع غرور الإنسان جانباً، كشفت دراسة حديثة نشرت في دورية “وقائع الجمعية الملكية ب” (Proceedings of the Royal Society B)، أن البشر ليسوا الكائنات الأكثر إخلاصاً على وجه الأرض كما يُشاع، بل إنهم يتأخرون في “ترتيب الوفاء” خلف كائنات أخرى غير متوقعة، وعلى رأسها القندس والفأر الكاليفورني.
الدراسة التي أجراها عالم الأنثروبولوجيا التطورية مارك ديبلي (Mark Dyble) من جامعة كامبريدج، اعتمدت منهجية مبتكرة لتحليل البيانات الجينية والإثنوغرافية لأكثر من 100 مجتمع بشري (قديم وحديث) و35 نوعاً من الثدييات، للإجابة عن سؤال: هل البشر مبرمجون بيولوجياً على الزواج الأحادي؟
دوري الوفاء: من يتربع على العرش؟
صنفت الدراسة الكائنات الحية ضمن ما يشبه “الدوري الممتاز” (Premier League) للزواج الأحادي، واعتمدت في قياسها على “مؤشر الأشقاء”؛ أي نسبة الأشقاء الذين ينحدرون من نفس الأب والأم (Full Siblings) مقارنة بالأخوة غير الأشقاء.
وجاء الترتيب كالتالي:
- فأر كاليفورنيا (California Mouse): تربع على العرش بلا منازع بنسبة وفاء 100%. التحليلات الجينية لم تسجل أي حالة لأخ غير شقيق في عائلات هذه الفئران، مما يجعله “بطل العالم” في الوفاء البيولوجي.
- الكلب البري الأفريقي: بنسبة 85%.
- فأر الخلد الدامارالاند: بنسبة 79.5%.
- طمارين ذو الشارب (Moustached Tamarin): قرد صغير من أمريكا الجنوبية بنسبة 78%.
- الذئب الإثيوبي: بنسبة 77%.
- القندس الأوراسي (Eurasian Beaver): تفوق على الإنسان بنسبة 73%.
- البشر: جاؤوا في المركز السابع بنسبة 66% (كمعدل وسطي).
- الغيبون (Gibbon): بنسبة 64%.
- الميركات (Meerkat): بنسبة 60%.
السر يكمن في نمط الحياة “الإجباري”. القنادس تعيش في وحدات عائلية مغلقة، وتعمل بجد لبناء السدود وصيانتها والدفاع عن مسكنها. هذا “المشروع العائلي” يتطلب تعاوناً وثيقاً ومستمراً؛ فإذا تخلى أحد الطرفين عن الآخر، ينهار النظام ويموت النسل.
أما البشر، فرغم ميلهم للزواج الأحادي، إلا أن وجود شبكات اجتماعية داعمة (كالجدات والأقارب) للمساعدة في تربية الأطفال، خفف قليلاً من الضغط البيولوجي الصارم للوفاء المطلق مقارنة بالقنادس.
البشر: حالة تطورية “غريبة” واستثنائية
رغم أن البشر حلوا في المركز السابع، إلا أن الدراسة تبرز تفردنا التطوري:
لماذا تفوق القندس على الإنسان؟
مسار مختلف: معظم الثدييات المخلصة (مثل القنادس) تطورت من أسلاف كانوا يعيشون حياة “منعزلة”. أما البشر، فقد تطوروا من أسلاف عاشوا في مجموعات كبيرة ومختلطة تتسم بتعدد الشركاء (مشابهة للشمبانزي الذي لا تتجاوز نسبة الوفاء لديه 4%).

الإنجاز البشري: تحول البشر من “الفوضى الجنسية” في المجموعات الكبيرة إلى “الالتزام بشريك واحد” يُعد مساراً تطورياً نادراً وصعباً، فرضه الاحتياج الهائل للطفل البشري للرعاية من كلا الوالدين لفترة طويلة.
الفرق بين “الوفاء الجنسي” و”الوفاء الإنجابي”
أوضح الدكتور ديبلي نقطة جوهرية: الدراسة تقيس الزواج الأحادي الإنجابي (Reproductive Monogamy).
هذا يعني أن البشر قد يمارسون الخيانة أو يقيمون علاقات خارج الزواج، ولكن بفضل العوامل الثقافية أو استخدام وسائل منع الحمل حديثاً، فإن هذه العلاقات غالباً لا تنتج أطفالاً. جينياً، يبدو البشر “أوفياء” لأن معظم الأطفال ينشأون من نفس الأب والأم، حتى لو كان السلوك الجنسي للأفراد يتضمن علاقات أخرى.
المرونة البشرية: بين فرنسا وإنجلترا
على عكس فأر كاليفورنيا المبرمج غريزياً بنسبة 100%، أظهر البشر تبايناً هائلاً يعكس مرونتهم الثقافية:
- في بعض المجتمعات البشرية (مثل مواقع أثرية من العصر الحجري الحديث في فرنسا)، كانت نسبة الأشقاء الأشقاء 100%، متطابقة مع فأر كاليفورنيا.
- في المقابل، في مواقع أخرى (مثل إنجلترا)، انخفضت النسبة إلى 26%، مما يشير إلى شيوع تعدد الشركاء أو الزواج المتسلسل.

هل الإنسان وفي حقا؟
نحن البشر “مبرمجون” لنميل نحو الزواج الأحادي كاستراتيجية أساسية لبقاء جنسنا، ونلعب في “الدوري الممتاز” للوفاء متفوقين على أقرب أقربائنا من القردة العليا. ومع ذلك، نحن لسنا “أبطال الوفاء” البيولوجي؛ فالقنادس وفئران كاليفورنيا تتفوق علينا بفضل غرائزها الصارمة، بينما نمتلك نحن مرونة فريدة تسمح لنا بالتكيف بين الوفاء التام والتعدد، بناءً على ثقافتنا وظروفنا الاجتماعية.
