التماهي الإسقاطي Projective Identification

القطعة الساحرة المفقودة، المرآة التي تخلق المزاج!

حين تتبدّل مشاعرنا فجأة دون سبب واضح، كما لو أن شيئًا غامضًا تبدّل في الجو العاطفي حولنا، فغالبًا أكون أمام مجرد تقلّب في المزاج. نحن داخل دائرة التماهي الإسقاطي — ذلك الفعل النفسي الذي يصف كيف يُلقي شخص جزءًا من ذاته في الآخر، عبر التعبير المتفعل الحركي أو شبه اللفظي، أو لفظي واضح لكنه يهدف لما أعمق من التواصل ، يهدف لنقل التأثير، فيتلقّف الآخر هذا الجزء ويبدأ في العيش به وكأنه له.

فمثلا، الطفل الذي لم يحتمل غضبه أو خوفه، يسقطه في الأم، فتشعر الأم بضيق غامض أو انفعال لا تعرف مصدره، وكأنّ مزاجها تغيّر من العدم. لكن ما حدث في العمق هو انتقال شحنة نفسية عبر علاقة وجدانية غير لفظية.

هكذا يتحوّل التماهي الإسقاطي إلى لغة ما قبل اللغة، ينقل عبرها الإنسان ما لا يقدر على قوله أو احتماله.

جوهر الظاهرة

التمييز الأساسي لهذه الظاهرة أنه تورط عاطفي، ينتقل بين طرفين، يظل الطرف الأول مرتبطًا بذلك الجزء المسقَط، يريد التعبير عن ألمه للطرف الأول وكأنه يسكب المه في وعاء داخل الآخر.

لذلك يبدو الآخر وكأنه تغيّر، لكنه في الحقيقة صار يحمل داخلَه جزءًا من الآخر الذي تماهى معه.

بهذا المعنى، المزاجات الغامضة بين الأزواج، الزملاء، وحتى داخل الفريق المهني، ليست دائمًا صدفة، هي تفاعلات إسقاطية دقيقة تُنقل من جهاز نفسي إلى آخر.

لهذه الظاهرة أنواع :

  1. النوع الدفاعي (Defensive Projective Identification)
    يظهر عندما يعجز الفرد عن احتمال مشاعر ثقيلة كالغضب أو الذنب أو الدونية، فيسقطها في الآخر ليتخفف منها.
    مثال: معالج يشعر بالعجز أمام حالة صعبة، فيشعر فجأة أن العميل هو الذي لا يريد الحل، بينما الحقيقة أن مشاعر العجز نُقلت إليه.
  2. النوع التواصلي (Communicative Projective Identification)
    يحدث عندما يستخدم الفرد التماهي الإسقاطي كوسيلة تواصل عاطفي غير واعٍ.
    مثال: الأم التي لا تعرف التعبير عن احتياجها للراحة، تُثير في طفلها توترًا يجعلها تضمه كمن يطلب الطمأنينة من خلاله دون أن تقول ذلك، وأحيانا بتعابير عدوانية بسبب الضغط.
  3. النوع الترميمي أو الإبداعي (Restorative / Creative)
    حين يُسقط الفرد جانبًا من ذاته في الآخر ليتمكن من فهمه أو شفائه.
    هذا ما يفعله أستاذ ما حصته حين يشعر بمشاعر غريبة أثناء تلقينه، ليست له بالضرورة، بل التماهي الإسقاطي للتلميذ يعمل داخل العلاقة التعليمية.
    يُسمّى هذا بـ “الاستبصار المتجسّد” Embodied Insight — حين يفهم الأستاذ من خلال ما عاشه داخليًا.
  4. النوع العدواني أو المدمّر (Persecutory / Controlling)
    حين يستعمل الشخص الإسقاط لامتلاك الآخر والتحكم فيه.
    كالشريك الذي يُسقط قلقه في الآخر ثم يتهمه بأنه هو القَلِق والمزعج، فيتحكم فيه باسم أنه يساعده للتخلص من “عيوبه”.
    هنا يتحوّل التماهي الإسقاطي إلى وسيلة هيمنة نفسية.

أما من حيث المزاج، فحين يتغير مزاجك فجأة بعد لقاء أو مكالمة أو جلسة عمل، ولا تعرف السبب، فغالبًا أنت داخل حقل إسقاطي.
لقد استقبلت مادة وجدانية لم تولد منك.
إنها ليست “مشاعرك” بالمعنى الأصلي، بل جزء من جهاز نفسي آخر دخلك عبر علاقة وثيقة.
وهنا تكمن عبقرية اكتشاف كلاين، وضوح هذا الاكتشاف في ظاهرة تجعل المزاج ليس ملكًا للفرد وحده، إنه نتاج علاقة دينامية مستمرة وعميقة.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo