ما الفرق بين “الشيفرة الجينية” و”التعديلات التخلقية” (Epigenetics)؟ الذاكرة الصلبة مقابل ذاكرة الجسد

​تخيل أن جدتك تعرضت لخذلان عاطفي قاسٍ أو هجران مفاجئ. جسدها، لكي يحميها من ألم مشابه في المستقبل، قام بتعديل “تخلقي” (Epigenetic) يضبط جهازها العصبي على وضعية: “العلاقات غير آمنة، والجميع سيرحل”.

​وعندما تولد أنت، فإنك ترث هذه “الإعدادات التخلقية” كما هي. قد تعيش اليوم مع شريك محب ومستقر، ولا تتعرض لأي هجران فعلي، لكنك تشعر بقلق انفصال مرعب، وتفسر أي غياب بسيط أو انشغال على أنه رفض قاطع ونهاية للعلاقة.

أنت هنا لا تتفاعل مع الحدث الحالي، بل يتفاعل جهازك العصبي مع “تحذير بيولوجي” ورثه من صدمة جدتك. تعيش دور الضحية المستنزفة عاطفياً، رغم عدم وجود جلاّد في واقعك.

​لفهم كيف تتسرب صدمات العلاقات وآلام الأجداد إلينا دون أن نمر بها شخصياً، يجب أن نفرق بدقة بين “الشيفرة الصلبة” و”مفاتيح التشغيل”:

​- الشيفرة الجينية (Genetics) – “الذاكرة الصلبة”:

هي المادة الوراثية الأساسية (DNA) التي تحدد صفاتك البيولوجية الثابتة كلون عينيك. الجينات بحد ذاتها لا تسجل الأحداث؛ فالجين لا يعرف أن جدك تعرض للخيانة، ولا يحفظ قصة الفقد التي عاشتها والدتك.

– التعديلات التخلقية (Epigenetics) – “ذاكرة النجاة وجهاز الإنذار”:

هي علامات كيميائية تلتصق بالجينات لتقوم بدور “مفاتيح التشغيل” (On/Off). عندما يتعرض الأجداد لصدمة عنيفة، يستجيب جسدهم بإفراز هرمونات ضغط هائلة. ولضمان النجاة، يقوم نظام التخلق (الإيبيجينوم) بتعديل هذه المفاتيح؛ فيرفع من حساسية “اللوزة الدماغية” (مركز الخوف في الدماغ)، ويجعلها في وضعية الاستعداد الدائم للخطر.

​النتيجة؟

أنت لا ترث “قصة” الصدمة، بل ترث “استراتيجية النجاة”. ولأن بيئتك الحالية قد تكون آمنة، تصبح استراتيجية النجاة الموروثة هذه هي المشكلة ذاتها، وهي ما نسميه اليوم بـ “قلق العلاقات” أو “الاضطرابات النفسية”.

ملاحظة: هذا المثال عن الجدة والخذلان العاطفي نموذج توضيحي فقط. في الواقع، يمكن إسقاط هذا المفهوم على عدد لا حصر له من السيناريوهات في حياتنا. ففي الجانب المهني والمالي مثلاً، قد ترث “عقلية الندرة” أو خوفاً غير مبرر من المجازفة والنجاح لأن جدك فقد تجارته فجأة أو عاش فقراً مدقعاً. وفي الجانب العاطفي قد تلجأ لا شعورياً إلى “التخريب الذاتي” للعلاقات الآمنة كصدى لزواج مليء بالصراعات عاشه أحد والديك. وحتى في تفاعلك مع المجتمع قد تعاني من رهاب اجتماعي أو خوف من التعبير عن رأيك، ليس لضعف في شخصيتك، بل كاستراتيجية نجاة موروثة من أسلاف عاشوا في بيئة قمعية أو تعرضوا للتهميش. الصدمات تتعدد، لكن آلية “وراثة النجاة” واحدة.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo