عندما يبدو التفسير “غير منطقي”: لماذا تبدو بعض نظريات علم النفس ضرباً من الخيال؟

​▫️لا أرى أي سبب منطقي يجعلني أُخرب نجاحي المهني تضامناً مع معاناة والدي، أو جدي الذي لم ألتقِ به يوماً! على العكس تماماً، أنا أستميت في تحقيق النجاح لإرضائهم!

​▫️من غير المنطقي أبداً أن أُصاب بنوبات هلع مستمرة بسبب حادثة غرق تعرض لها جدي قبل ولادتي بسنوات!

​▫️لا يُعقل أن أستمر في جذب شركاء مسيئين فقط لأبقى وفياً لنمط الألم العائلي.. هذا كلام لا يتقبله العقل، خاصة وأنني لست قريباً من أغلب أفراد عائلتي الكبيرة، ولا أهتم كثيراً لآلامهم في الواقع!


إذا صادفت يوماً مفاهيم نفسية عميقة مثل الولاءات الخفية أو “صدمات الأجداد الموروثة”، وشعرت أن تفسيراتها تصطدم تماماً مع العقل السليم، فأنت لست وحدك. في الواقع، استنكارك هذا هو رد فعل طبيعي ومنطقي.

أغلب دارسي علم النفس أنفسهم يمرون بهذه الحيرة المبدئية والصدمة المعرفية عندما ينتقلون من دراسة النظريات السلوكية المباشرة إلى الغوص في مقاربات التحليل النفسي العميق.

بل إن الكثير من هذه النظريات تبقى دائماً محل تمحيص، وإضافات، وتشكيك أحياناً داخل الأوساط الأكاديمية نفسها، رغم فعاليتها المؤكدة ونجاحها في الممارسة العلاجية السريرية. لذلك، في الواقع، استنكارك هذا هو أصح رد فعل يمكن أن يصدر عن إنسان يمتلك عقلاً نقديا.

​فعقولنا الواعية مبرمجة لحماية مصالحنا وفق عمليات حسابية بسيطة: (1+1=2). أنا أتألم، إذن سأبحث عن الراحة؛ أطمح للنجاح، إذن سأسعى إليه. وفقاً لهذا المنطق السطحي، تبدو فكرة أن يقوم الإنسان بتدمير سعادته بيده، أو افتعال الفشل، أو حمل حزن لا يخصه، فكرة عبثية ترفضها البديهة.

​ولكن، هنا يكمن الفخ المزدوج، ومن رحم هذا التناقض تحديداً وُلدت الحاجة الماسة لهذه النظريات.

​لو كانت تصرفاتنا، ومخاوفنا، واختياراتنا تخضع حقاً لـ “المنطق” المباشر، لكُنّا جميعاً نتمتع بصحة نفسية مثالية بمجرد قراءة كتاب عن التنمية البشرية أو التفكير الإيجابي.

ولو كان غياب الأسباب المنطقية الواضحة (كطفولة قاسية أو حادث مرعب) كافياً لضمان سلامتنا، لما رأينا أشخاصاً نشأوا في بيئات محبة ومستقرة يغرقون فجأة في اكتئاب مجهول المصدر، أو يدورون في حلقة مفرغة من التدمير الذاتي المستمر.

​الحقيقة الصادمة هي أن “اللاوعي” لا يتحدث لغة المنطق المادي، بل يتحدث لغة البقاء، الانتماء، والحب الأعمى.
​فما يبدو لعقلك الواعي “غير منطقي” (كتخريب نجاحك)، يراه عقلك الباطن “في قمة المنطق” إذا كان هذا النجاح يُترجم في عُرف العائلة الكبيرة غير المكتوب كتمرد، أو انفصال، أو خيانة لمعاناة الأجداد.

المنطق الواعي يبحث عن المنفعة الفردية، بينما يبحث اللاوعي عن الانتماء والأمان العاطفي الخ..، حتى لو كان ثمن هذا الانتماء هو الألم، وحتى لو كنت في واقعك الواعي تعتقد أنك غير مكترث بعائلتك الكبيرة أو لست على وفاق معهم؛ فالروابط اللاواعية والديون العاطفية لا تعترف بالمسافات الجغرافية أو الجفاء الظاهري.
​إن عجزنا عن إيجاد أسباب منطقية ظاهرة لمشاكلنا المتكررة ليس دليلاً على عدم وجود سبب، بل هو الدليل القاطع على أن هذا السبب يقبع في طبقات أعمق بكثير.

▫️ولو كانت تفسيرات معاناتنا تخضع دائماً للمنطق الواضح، لما وُجدت المشكلة النفسية في الأصل؛ لكان الأمر مجرد شعور عابر، مفهوم، له خطوات إجرائية بسيطة وواضحة للحل▫️

​غياب المنطق هو إثبات على أن تفسير آلامنا قد لا يكمن في حاضرنا الملموس، بل في تاريخ طويل من الصدمات، والولاءات، والديون العاطفية التي نتوارثها جيلاً بعد جيل.

​لذلك، في بعض الأحيان، يجب أن نترك “المنطق” على العتبة قبل الدخول إلى غرف اللاوعي المظلمة. هناك فقط، يمكننا أن نكتشف كيف تديرنا قوى خفية لا تعترف بالزمن أو الحسابات المادية.

وهناك فقط، سنتعرف على ديناميكيات مثل “الولاء الخفي” و”إرث الصدمات”، لنفهم كيف يمكن لقصة لم نعشها يوماً أن تكتب فصول حياتنا اليوم، وكيف يمكن لتفسير يبدو في ظاهره “غير منطقي”.. أن يكون هو المفتاح الوحيد لتحريرنا.

⚠️ ملاحظة: ليس كل اضطراب نفسي، أو تعثر في العلاقات، أو مشكلة اجتماعية نمر بها، يعود بالضرورة إلى صدمات موروثة أو ولاءات عائلية خفية. النفس البشرية شديدة التعقيد، وتتداخل فيها عوامل بيولوجية، بيئية، وشخصية متعددة. هذا المقال لا يلغي الأسباب المباشرة، بل يسلط الضوء على زاوية محددة وعميقة، نلجأ إليها تحديداً عندما تعجز التفسيرات المنطقية المباشرة عن تقديم إجابة شافية.

لا توجد تعليقات حاليا

اترك تعليقًا

سند: مجلة علم النفس والصحة النفسية
Logo