هل من يمارسون الألاعيب النفسية يفعلونها بوعي أم بلا وعي؟

سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره يفتح بوابة على واحدة من أكثر مناطق النفس البشرية غموضًا. هل من يمارسون الألاعيب النفسية يفعلونها بوعي أم بلا وعي؟

سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره يفتح بوابة على واحدة من أكثر مناطق النفس البشرية غموضًا.

اولا.. ماهو اللاوعي او اللاواعي

اللاوعي ليس مجرد مكانٍ نضع فيه ما لا نريد رؤيته؛ إنه بنية تشغيلية للنفس، شبكة من عملياتٍ سريعةٍ وتلقائيةٍ تُعِدّ قراراتنا قبل أن يصلها ضوء الوعي. كما قال سيغموند فرويد: «اللاوعي هو الواقع النفسي الأعمق»، ليس فراغًا بل حياةٌ نفسية كاملة تعمل خلف ستار الوعي. نسخة منا تتجاوزنا في القدرة والمواهب وايضا في الضعف والمخاوف. وفي امتدادٍ لهذا القول، نظر كارل يونغ إلى اللاوعي كبحرٍ جماعي يحتوي صورًا أولىً (archetypes) تُشَكّل تجربة الإنسان على مستوى أعمق من الفردانية، كأنّ لكل نفسٍ جذورًا تتجاوزها إلى تاريخ النوع. أما علوم الأعصاب فترسم مشهدًا تقنيًا لهذا البحر: موجاتٌ كهربائية ونشاطاتٍ قشريةٍ تُنَبِّئ باحتمال قرارٍ قبل ثانية أو أكثر من وعيه، ما يجعل الوعي غالبًا مشاهدًا يبرّر ما ارتأته الشبكات العصبية قبله. هذه الملاحظات لا تلغي الحرية الأخلاقية، لكنها تضع نيتنا في سياقٍ زمنِيٍّ معقد حيث لا يكون الوعي دائمًا صاحب المبادرة.

يقول علم الأعصاب إن 95% من قراراتنا اليومية تُتخذ قبل أن تصل إلى وعينا، وإن ما نعتبره «اختيارًا» هو في الغالب تبرير متأخر لما قررته شبكاتنا العصبية بصمت. من هنا، تصبح الألاعيب النفسية كالعَرَض التحليلي عند فرويد: ليست صدفة، بل معنى متخفٍّ في ثوبٍ اجتماعي.

الألاعيب النفسية.. وعي مقصود ام مهارات لاواعية ؟

الألاعيب النفسية – الأكاذيب الرقيقة، التهميش الناعم، تدوير الحوار، إعادة كتابة الذاكرة، والعشرات من الألاعيب الأخرى… سنذكر بعضها كأمثلة… كلها أدواتٌ ظاهرها سلوكيّ، وباطنها ترجمةٌ لآلياتٍ دفاعية أو لحسابٍ مصلحي. البعض يستخدم هذه الأدوات بوعيٍ صريح، مدرّبًا نفسه على قراءة مشاعر الآخرين وإيقاع ردود أفعالهم، يضع استراتيجياتٍ تبريرية ويقنّن الخداع ليصير تقنيةً فعّالة. والبعض الآخر يفعلها بلا شعورٍ كامل، إذ تعود بهم أنماطُ الطفولة: من نشأ في محيطٍ يكتم الحاجات تعلم أن يخفيها؛ من عَلِم أن الحبَّ يُفقد بالضعف، أتقن فنّ التقديم والتحكّم ليحمي صورة الذات. في الحالة الأولى يكون الفعل تكتيكًا؛ في الحالة الثانية، دفاعًا يستعمله اللاوعي ليقلّل الألم. لكن لكلتا الحالتين أثرٌ واحد على الآخر: الزعزعة، التشكيك، التآكل البطيء لثقةِ الذات.

غير أن هذه الألاعيب لا تتوقف عند حدود اللغة أو السلوك؛ إنها تمتد إلى طبقاتٍ أعمق من النفس. فهناك ألاعيب الذاكرة، حين يعيد العقل تشكيل الماضي بما يخدم بقاء الصورة، فيمحو ما يُؤلم ويُضخّم ما يبرر. وهنا يتحول الزمن إلى أداة دفاع، لا سجلًّا للحقيقة.

ثم تأتي ألاعيب الصمت : ذلك السلاح الهادئ الذي يُربك الضحية أكثر من الكلمات، إذ يُترك العقل في فراغٍ تأويليّ ينهش نفسه بحثًا عن تفسير. والصمت في اللاوعي ليس دومًا قصدًا، بل أحيانًا نداءُ استغاثةٍ مكتوم. كما نجد ألاعيب الضحية، حين يُتخذ الألم درعًا أخلاقيًا لفرض السيطرة، فتُقلب الأدوار، ويُستدرّ العطف ليُكتسب النفوذ.

وقد يكون هذا الصمت أحيانا مقرونا بألاعيب اللمس والمودة ، اللمس ليس بريئًا كما يبدو. أحيانًا يُستخدم كأداة هيمنة ناعمة، كأن يُعاد توزيع الحنان كعملة: تُعطى عند الطاعة وتُسحب عند المقاومة.

يظهر في الأبحاث الحديثة أن أصحاب «السمات الداكنة» يستخدمون القرب الجسدي، والنبرة الدافئة، واللمسة العابرة لتوليد اعتماد عاطفي، ثم للسيطرة عبره.
لكن اللاوعي أيضًا يلمس عندما لا يجد لغة أخرى. بعض العناق ليس تلاعبًا، بل نداء يائس من الجسد ليُصدّق أنه ما زال موجودًا. في اللعبة الثانية، لا يوجد سيّد ولا عبد، بل روح تبحث عن أمان مفقود.

أما ألاعيب المرايا (الإسقاط) ، فهي حين يُرى في الآخر ما لا يُحتمل في الذات. تُرمى فيه العيوب، كأننا نُطهّر أنفسنا عبر اتهامه. ووراء هذا الإسقاط قلقٌ عميق من رؤية الحقيقة الداخلية. ومعها تظهر ألاعيب الغياب والظهور، لعبة الحضور والانسحاب التي تُخلخل استقرار العلاقة، حيث يتحول التراجع إلى أداة تحكم: يُغيب نفسه ليُشتاق إليه، ثم يعود ليحصد السيطرة من جديد.

ثم هناك ألاعيب الذنب ، حين تُزرع بذرة المسؤولية داخل الآخر ليحمل ما لم يصنعه، فيعتذر حتى على تنفسه، ويعيش داخل دوامةٍ من اللوم المستمر. ويليها ألاعيب السلطة والضعف، حين يُستعمل الوهن كقناعٍ للنفوذ، أو تُمارس السيطرة باسم الخوف، فينقلب الحبّ إلى ميدان اختبارٍ دائم للقوة.

وتشبه الى حد ما ألاعيب الضحية ، أن تكون ضحية يعني أن تمتلك سلطة غير مباشرة. حين يفيض الحزن في علاقة، قد يتحول إلى وسيلة خفية لإلزام الآخر بالشفقة.
الضحية التي تبالغ في إظهار الألم تُجبر الآخر على إنقاذها، ثم توبّخه لأنه لم يفعل بما يكفي. هذه اللعبة، في التحليل النفسي، هي علاقة تبادلية مع الذنب. الضحية تحتاج ظالمها ليمنحها مبررًا لضعفها، كما يحتاج الظالم ضعيفه ليؤكد قوته.

وأيضا ألاعيب الإنكار والتبرير ، حيث تُعاد كتابة المعنى لتفادي المواجهة، فيُنكر المؤذي فعله أو يُبرره بخوفه، فيتحول الجرح إلى حجةٍ نفسية مغلّفة بالمنطق.

هذه الازدواجية – دفاعيّ أم مقصود؟ – لا تُحلّ بالاستنتاج الأخلاقي وحده. هناك دلائل سلوكية تُنذر بالقصد: تكرار النمط رغم التبيان، اختيار متكرر للكذب الانتقائي، عقابٌ عند مقاومة الضحية، برقٌ من الهدوء حين تنكشف الخدعة. وعلى النقيض، دلائل اللاوعي تظهر كارتباكٍ حقيقي أمام المواجهة، استعدادٍ للاعتراف أو للتعديل، واختفاء النمط مع الدعم والعلاج. لكن السؤال الأكثر صدقًا ربما ليس «من يقصد؟» بل «ما الألم الذي تُقنّع به هذه الألاعيب؟» فغالبًا ما تكون السيطرة إخفاءً لفراغٍ داخلي، وسلاحًا مؤقتًا ضدّ الخوف من الاندماج أو الرفض.

كيف نفرّق عمليًا بين من يلعب لعبةً واعيًا ومن يكرر دراما قديمة بلا وعي؟

نبحث عن أنماطِ الزمن: هل السلوك ثابت رغم الوعي المعطى؟ هل هناك انتقائية ممنهجة في الحقيقة؟ هل يُقابَل النقد بعقاب أو بتقليل؟ هذه علامات قصد. أمّا إذا صحب المواجهة حيرة، وكان هناك استعداد صادق للتعلّم أو الانكسار أمام الحقيقة، فالأمر يميل للاعتقاد بأننا أمام دفاعٍ يمكن تحويله لا أمام عالمٍ مقصود للشرّ. لكن حتى في الحالة الأخيرة، يظلّ الضحية هو من يدفع الثمن، والنتيجة النفسية تميل لتشابهٍ مخيف بغضّ النظر عن نية الفاعل.

وهنا يأتي دور العلاج والوعي: عندما نُسلّط الضوء على الآليات التلقائية، نفقدها فعليًا جزءًا من قوتها. كما قال يونغ بطريقةٍ تصالحية، إن الكشف عن الظلال لا يقترب من الرفض بل من الاستيعاب؛ فالوعي لا يقطع الظلّ، بل يأسرُه بالحب كأن يضيء مكانًا مظلمًا ليصبح قابلًا للحياة. العلاج لا يصدر حكمًا أخلاقيًا فحسب، بل يقدّم مهارات تنظيمٍ عاطفي وتحويلًا للغة الجسد: تعليم لمسٍ يذكر بالشفاء، وإعادة تدريبٍ للاستخدام الحميم للحضور الجسدي بحيث لا يعود سلاحًا. عندما يصير اللمس فعلَ وعيٍ — سؤالٌ قبل وضع اليد على الكتف، استئذانٌ في القلب قبل الاقتراب — نستعيد قدرة الاختيار من حيث لم نعد نملكها.

في النهاية، ليست المسألة تصنيفًا باردًا بين نوايا واعية ولاواعية، بل فهمًا للتداخل الرقيق الذي يجعل من الإنسان في آنٍ واحد مبدعًا ومدافعًا، محميًا ومؤذيًا، محتاجًا ومخيفًا لمن حوله. الألاعيب النفسية هي لغةٌ لجرحٍ يبحث عن كلام؛ والمشكلة أن هذه اللغة تُترجم في أجساد الآخرين إلى فقدان الأمان. لذلك، إنّ الطريق إلى السيادة النفسية ليس عبر انتصارٍ على الآخر، بل عبر انقلابٍ داخلي: أن نُدرك مَن نكون حين نريد أن نَسيطر، أن نرى الخوف الذي يختبئ وراء المصادقات الذكية، وأن نتعلم لمس العالم بوعيٍ يكفي ليشفي دون أن يقيّد.

إنه دعوةٌ لصياغة وعيٍ جديد: وعيٌ يمرّر الشعور بدل أن يُقنّعه، يتلمّس بدل أن يسلب، يسأل بدل أن يُفترض. وبهذا التحوّل البسيط يتحوّل الحنان من فخّ إلى مهارة، ومن وسيلة إخضاع إلى أداة شفاء. وهنا، في لحظةٍ كهذه، تولد السيادة الحقيقية — ليست سيطرةً على الآخرين، بل إمكان رؤية دوافعنا، واحتضانها، ثم اختيار ألا نؤذي.

المقال السابق

هل يمكن للعقل أن يخلق سلامه رغم ثبات الواقع؟

المقال التالي

التماهي الإسقاطي Projective Identification

أضف تعليقًا

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

انضم إلى عائلتنا واشترك في نشرتنا البريدية لتصلك أحدث المقالات والنصائح مباشرة إلى بريدك الإلكتروني، وكن دائمًا أول من يطّلع على الجديد!
إلهام خالص، من دون رسائل مزعجة